منتدى شباب جنوب الوادى
أهلا ومرحبا بك زائرنا الكريم إذا كنت غير مشترك بالمنتدى يشرفنا اشتراكك معنا

منتدى شباب جنوب الوادى

منتديات شباب جامعة جنوب الوادى وصعيد مصر
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:22 pm




الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله اما بعد

الصدّيق النبي إدريس صلوات الله عليه و سلامه



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
(و أذكر في الكتاب إدريس أنه كان صدّيقا نبيا * و رفعناه مكانا عليا)
(و إسماعيل و إدريس و ذا الكفل كلٌ من الصابرين * و أدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)
وصفه الله بالصدّيق و هو ما يصدق بكل ما اتى به الله و مخلصا بكل ما امر
الله به (و يسلموا تسليما) ....لذلك كان أبو بكر يُلقب بالصدّيق ...لأنه
كان مصدقا لما جاء من عند الله و مخلصا في تأديته ....و لو تُلاحظ انه كل
واحد يُسمى بالصدّيق ..يكون فريد زمانه ...ليس احد مثله في زمانه ..فكان
ابو بكر الصديق افضل الناس بعد الأنبياء في زمانه ...و كانت مريم الصدّيقة
افضل اهل زمانها ...و كان يوسف الصدّيق افضل اهل زمانه ...و كان إبراهيم
الصدّيق افضل أهل زمانه ...إلخ ..فإدريس أيضا كان افضل الناس نبوة و إخلاصا
و صديقية في زمانه ...أي أنه صادقا في إيمانه صادقا في إسلامه و أخذ أمر
الله من شرائع و عبادات ...مُصدّقا لما جاء به الله في الأخذ و التبليغ في
سبيل الله ....
هو ثالث نبي بعد ءادم و شيث عليهما السلام ....أنزل الله عليه30صحيفة في
الشرائع و العبادات و المحللات و المحرمات ...و كذلك انزل الله على غيره من
الأنبياء كأدم و شيث و إبراهيم ....إلخ و لكنها حُرفت من قِبَل من خلفهم
.....لذلك بعد ان ذكر الله في سورة مريم عدد من الأنبياء ك(عيسى و زكريا و
يحيى و موسى و إبراهيم و إسماعيل و إدريس) ...حدد تعالى منازلهم و مراتبهم و
فضائلهم ...و بعد ذلك قال (فخلف من بعدهم خلفٌ اضاعوا الصلاة و اتبعوا
الشهوات فسوف يلقون غياً) إلا من تاب و امن و عمل صالحا يدخلون الجنة و لا
يظلمون شيئا ....و كذلك حدث بعد وفاة سيدنا محمد إلا ان كتابه القران
العظيم حفظه الله من ايدي المحرفين و المشوهين ...خلافا لما وقعت فيه
الكُتُب السابقة ...


لا يُعرف على وجه الصحة نسب سيدنا إدريس عليه السلام ...فقد روت
الإسرائيليات ان اسمه (خنوخ بن يرد -او جراد- بن مهلائيل بن قينان بن أنوش
بن شيث بن ءادم)عليه السلام فإدريس هو من الجيل السابع بعد ءادم ....كذلك
قالت الإسرائيليات أنه رُفع للسماء و عمره(365) و قيل عاش تتمة الألف سنة و
مات في السماء و لم يرجع إلى الأرض و كتب وصيته لأبنه قبل رفعه ....كذلك
قالت الإسرائيليات أنه وُلد له ابنه (متوشالخ) و الكثير غيره من الأبناء و
البنات ....و قال في شأن ذلك ابن أياس في كتابه(بدائع الزهور) : ((..و تزوج
-أي إدريس- بإمرأة حملت منه بولد ذكر فلما وضعته سمّاه (متوشالخ) و أنتقل
النور الذي بجبهة إدريس إلى جبهة متوشالخ ،فلما كبر متوشالخ عهد إليه إدريس
و سلمه السمط و التابوت و صحفه الإدريسية و صحف أبيه شيث و ءادم السماوية
،و أوصاه بقرأءة كتاب الله و كلامه في هذه الصحف و أن يحفظه في صدره و يأخذ
الكتاب بقوة نو أوصاه بلزوم الصلاة و قال له :يا بني إني صاعد إلى السماء و
لا اعلم هل أرجع أم لا فأقبل ما أوصيتك به ...))
و قالت التوراة (و عاش أخنوخ خمساً و ستين سنة و ولد له متوشالخ-22-و سلك
أخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالخ ثلاثمائة سنة ولد فيها بنين و
بنات-23-فكانت كل أيام أخنوخ ثلاثمائة سنة و خمساً و ستين سنة-24-و سلك
أخنوخ مع الله و لم يوجد بعد لأن الله أخذه-25-)) من سفر التكوين الإصحاح
الخامس
و قالت الإسرائيليات أنه أدرك 308سنين من حياة ابيه ءادم قبل وفاته ..و
قالت ايضا عن وفاة إدريس أنه سأل ملك الموت فقال: كم بقي من عمري؟فقال: لا
أدري حتى أنظر، فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين،
فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر ،قال
الشيخ عبد الوهاب النجار بعد سرد وفاة إدريس هذه : الأسلم تفويض علم ذلك
إلى الله تعالى و قال ابن كثير عنها : و هذا من الإسرائيليات و في بعضه
نكارة......و الله أعلم بهذه الإسرائيليات فقد قال عنها النبي (لا تصدقوهم
و لا تكذبوهم) و قال (حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج و من كذب عليّ متعمدا
فاليتبوأ مقعده من النار) ...
فمن الممكن لنا الأخذ من الإسرائيليات المفيدة إن كانت لا تخالف القُرآن أو
السنة و يمكننا أخذ المسلتذ منها (جهل لا يضر و علم لا ينفع) مثل عمر فلان
و مكان وفاته و صفته ...إلخ ،فإن ذلك يذوق الكلام و يُحليه على المسامع
،لكن لا نهتم بذلك كثيرا فنجعله أهم من المغزى..فهذا الجهل بعينه لكن الأخذ
منها على سبيل المعرفة السريعة بدون الأهتمام الذي يزيد عن الحد فجائز .
فعند اليهود إدريس يُسمى (حنوك)أو(خنوخ)و يُعرب للعربية إلى (أخنوخ) و
يقولون بأن الله رفعه للسمآء و قد بلغ من عمره (365) سنة و لم يعُد للأرض
،بنص التوراة(و سلك أخنوخ مع الله و لم يوجد بعد لأن الله أخذه) .
و عند اليونان إدريس يُسمى (طرميس)أو(أرميس)و يُعرب للعربية إلى (هُرمس) و
مات و عمر(82) سنة بعد أن جاب كل مكان بالأض ، ثم رفعه الله إليه إلى
السمآء .
إلى غير ذلك من مسميات و أعمار أطلقته شعوب عديدة على إدريس ...فربما كان
ذلك لأنه سافر مثلا إلى اليونان فعاش هناك 83سنة ليعلم أهلها العلم و
الحكمة .. أو مثلا سافر لشعب آخر بعد اليونان فسكن وسط ذاك الشعب فعاش
وسطهم 365سنة ....ثم همّ بالسفر إلى شعب آخر و هكذا ..إلخ فكل مكان يسافر
إليه و تنتهي مدته بها فيقول كل اهل من اهاليها :عاش معنى كذا او كذا او
كذا من السنين ثم سار مع الله و ذهب ...فكل شعب يعرف كم عاش معهم لكن لا
يعلم كم عاش طيلة حياته ....فربما لذلك تختلف الأقوال في سنه و جنسيته ،و
حتى إن كل شعب من مبالغته في حب إدريس جعله من جنسه فالذي يقول :هو فارسي
مثلنا و الذي يقول :هو مصري مثلنا إلخ...و الله أعلم


و قيل أن النبي إدريس (عليه السلام)هو نفسه النبي إلياس(عليه السلام) ...فقد روى ابن حجر العسقلاني في فتح الباري6/430 :
عن الضحاك بن سفيان الكلابي عن ابن عباس :
أن إلياس هو إدريس
خلاصة حكم العسقلاني : إسناده ضعيف



و لكن هذا خطأ لأن إدريس كان في زمن و إلياس في كان زمن غيره و في مكان
غيره ....فإلياس كان يدعو أهل الشام ...اما إدريس فإنه كان يدعو في العراق و
مصر و كان يعظ و يدعو من يأتيه من بلاد أُخرى ...إلخ ....كما انه هناك
تشابهات بين إدريس و إلياس مثل الرفع للسماء و غير ذلك الكثير ...و إلياس
كان بالشام ..و إدريس مرّ بالشام خلال رحلته فربما دعا الناس هناك ،فأشتبه
لذلك على بعض المفسرين بانه هو إلياس ....و قيل ان إدريس لم يكن في عمود
نسب النبي فأستدل العلماء على انه عندما سلم على النبي قال : مرحبا بالأخ و
النبي الصالح ...و لم يقل بالأبن الصالح كما قال أدم و إبراهيم لأنهم في
عمود نسب النبي ...و الله اعلم ....و لكن هذه أخطاء إجتهادية من العلماء و
المجتهد له أجران .....فإن إدريس نبي و إلياس نبي أخر غيره ..فسواءا كان
إدريس في عمود نسب النبي او غيره او كان إلياس هو إدريس أو لا ..فنحن
مأمورون بالتصديق بالنبيين و الإيمان برسالتهم و الإثناء عليهم كي يثني
الله علينا في ملأئه الاعلى .


أما عن مكان ولادته فيقال في مصر ب(منف) و قيل في العراق ب(بابل) ..فيقول
الذين يستندون إلى أنه ولد بمصر ما معناه : أن أبناء شيث أنتشروا و هاجر
الكثير منهم سواء من ذرية شيث او ذرية قابيل ،إلى آسيا و أوروبا و مرت
جماعة منهم إلى إفريقيا حيث ظهر النبي إدريس عليه السلام بمصر ...الذي ربما
يكون هو نفسه الحكيم (أسكليبوس) الذي أبهر المصريين و ألهوه في ثالوث
(منف) برمز (أمحتب) ...فليس شرطا أن يكون أسكليبوس ولد بمصر فربما جاء من
بابل لمصر و حدث ما حدث ..و الله اعلم
ولد سيدنا إدريس عليه الصلاة و السلام في بابل بالعراق على الأرجح ...نشأ و
ترعرع بها ...و تلقى العلم من جدوده ءادم و شيث عليهما السلام و تلقى
الحكمة و العلم و الشرائع و العبادات منهم ....و اخذ بعلم و حكم و شرائع
ابيه شيث و ادم و شد عليها بالنواجذ فأخذ كتاب الله و سنة أنبيائه السابقين
بقوة و عزم بالإقبال على الله ....و جمع صحف ادم و شيث مع صحفه ليدعو
الناس بالتمسك بدين الله الذي يدعو به و بدين من قبله ادم و شيث ...و أن
ءادم و شيث و إدريس أنبياء ابناء علات -أي أنهم كثيرون متفرقين من انساب
مختلفة لكن من أم واحدة- لا نفرق بين واحد منهم و نحن لربنا مسلمون ....و
كان الشرك و المعاصي في ايام إدريس قد ظهرت و عبادة الاوثان ....فظل يدعو
‘إدريس الناس للعبادة و التوحيد و ترك الحنث العظيم و الأوثان التي لا تضر و
لا تنفع ،و أن نتفكّر في خلق الله لنستدل بها عليه و لينبذوا الأصنام التي
لا تُجيب داعيها و لا تدعو من لم يناديها .....فأستجاب له قليلٌ من الناس و
هجره كثير ....و كان من هجره بنو قابيل ...و الذين اتبعوه بنو شيث
....لأنهما كانتا السلالتين الوحيدة الموجودة انذاك ....فبنو شيث القلّة
المؤمنين ...و بنو قابيل الكُثرة الفاجرين .....و كانت أنذاك العراق او
بابل قليلة الرطوبة خالية قليلا من منابع الخير و الجو و المناخ ....فضاق
بإدريس و قومه ذرعا بالعيش فيها ....فقال إدريس لمن معه ان غضب الله قد حل
بقومهم الأشرار بنو قابيل و سيحل بهم عذاب شديد من ربهم و سينزل عليهم
عذابا من السماء يملأ الارض طوفاناً بماء السمآء و الأرض -و كان إدريس أول
من تنبأ بطوفان نوح الذي سيعيش بنو قابيل حتى يتكاثروا حتى يدركوا زمن نوح و
يكفروا برسالته فينزل الله عليهم هذا العذاب الشديد المذكور- ...فأخذ
إدريس يدعو من معه من المؤمنين بأن يرحلوا عن أرض بابل فقال لهم ((إن الله
عز و جل سيعذب ولد قابيل و من خالطهم من الكُفّار و من مال إليهم من
الفُجّار بعذاب أرضي و سماوي)) ،و الذين ذكروا هرمس قالوا أنه(قد تنبأ
بحدوث الطوفان و رأى أن آفة سماوية ستلحق بالأرض من الماء أو النار) .
و كانت ساعة وداع الأرض و المكان قاسية على الجميع خاصة على إدريس و هو
يودع أباه قبل الرحيل ...فعندما أتى يودعه قال له أباه : لما تشدّون رحالكم
أهو الرحيل يا إدريس؟ فقال إدريس :نعم ..إنه الرحيل إنقاذا لخلق الله
سبحانه و تعالى و تثبيتهم على سلوك الحق و الصواب و العدل و عدم الحياد عن
الطريق المستقيم...إن هذا الرحيل يا ابي إنقاذا للصالحين حتى لا تفتنهم
فتنة ذرية قابيل .
فقال له أبوه : فليرعكم الله في حلكم و ترحالكم رافقتكم السلامة في رحيلكم و لتحل بركة الله عز و جل عليكم في كل منزل تنزلونه .
فدعا إدريس ربه بأن ينصره على قومه و يثبت اقدامه على الحق و يفرج همهم
الذين هم فيه ....فشد رحاله هو و قومه و رحلوا بدوابهم و اكلهم و زادهم
....فمروا عشوائيا ببلاد الشام ...حتى وصلوا إلى مصر ....فهُنا كانت
المُفاجأة ....

(((ارض مصر)))

هنا كانت ارض المُستقر لهم بمناخها الطيب و اكلها و زرعها الطيب و اثمارها
....و ساعتها قال إدريس و قومه الجملة المشهورة (بابليون) و معناها : بابل
يون ..اي مكان و مُستقَر خيرٌ من بابل ...و نهرها النيل و مهبطها خيرٌ من
بابل او خيرٌ من المكان الذي كنتم فيه سابقا ....و نيلها خيرٌ من فراتكم
....إلخ ...و أصبح الناس من شتى البلاد في مصر و العراق و غيرها ياتون على
إدريس في منف(مصر القديمة الأن) و يتعلمون منه الحكم و العلوم ...فكل من
يتعلم تلك العلوم يذهب لبلده و ينشرها لأهله الذي جاء من الهند و الذي جاء
من بلاد الروم و الذي جاء من بلاد فارس ...و هكذا كلٌ جاء يتعلم على يدي
إدريس عليه السلام ....و من كثرة شغفهم بحب إدريس بالغوا فيه لدرجة أن كلهم
قال إنه مولود عندنا و هو منا ..و منهم من يقول نصفه إله و نصفه إنسان ..و
غير ذلك من المبالغات التي إن وقع الإنسان في فخّها وقع في الشرك و
التأليه على الله تعالى .. معاذ الله ..تماما حدث لإدريس من مزاعم و تأليه
من قومه من بعده ..كما حدث لأصنام قوم نوح ..كما حدث مع النصارى من تأليه
..كما حدث مع الشيعة اليزيدية ..كما حدث مع اليهود ....إلخ من أقوام ضآلين
كلهم بالنار إلا من تاب و ءامن و عمل صالحا ..اللهم اجعلنا من التوّابين


فأنظروا هنا حكمة لطيفة جميلة ....ألا و هي ما ذُكرت في الأية (إن الله لا
يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ..فهذا تماما ما فعله إدريس و حث
عليه قومه و دعاهم إليه ....و كان صادقا مع ربه ...صادقا في رسالته للناس
...مؤدي حق الرسالة و التبليغ حقها الكامل و تبليغها المجاهد في سبيل الله
حق جهاده ....لذلك قال عنه تعالى (إنه كان صديقا نبيا) فعُد من الصديقين
النبيين ....بل من اوائلهم و افضلهم ....لذلك (و رفعناه مكانا عليا) ....و
إلى جانب ذلك كله ......نجاه و قومه من ارض بابل و من شرار خلقها و قدر لهم
الهداية و الإرشاد و الخير بأن الهمهم و دلهم على مكان الخير و المستقر
لهم ....مصر ...لماذا ؟؟ لأنهم اعتمدوا على التوكل على الله و الأخذ
بالأسباب ......فبدل الله سيئاتهم حسنات ....و جعلهم من خيار اهل الأرض
انذاك و احبهم إلى الله .... و لأنهم فعلوا كما يشبه قول النبي ص (إذا عمل
أحدكم عملا فليتقنه) و أن ان الله لا يتقبل من العمل إلا خالصه ..فهكذا كان
إدريس و قومه


و لقد نقلت من موقع (أهل السُنة و الجماعة)هذا الخبر عن إدريس عليه السلام :
(فعاش سيدنا إدريس عليه السلام يعلّم الناس شريعة الإسلام وأحكام دين
الله، مع أن الناس الذين كانوا في زمانه كانوا مسلمين مؤمنين يعبدون اللهَ
تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا، واستمرّ الأمر على هذه الحال إلى أن ظهر
إبليس اللعين للناس في صورة إنسان ليفتنهم عن دين الإسلام، وأمرهم أن
يعملوا صورًا وتماثيل لخمسة من الصالحين كانوا معروفين بين قومهم بالمنزلة
والقدْر والصلاح، وكان في شرع إدريس جواز عمل تماثيل للأشخاص ثم نسخ ذلك،
فأطاعوه وعملوا لهم صورًا وتماثيل، ثم لما طالت الأيام ظهر لهم مرة أخرى في
وقت كثر فيه الجهل والفساد في الأرض، وأمرهم أن يعبدوا هذه التماثيل
والأصنام الخمسة فأطاعوه وعبدوهم واتخذوهم ءالهةً من دون الله فصاروا
كافرين مشركين، وكان ذلك بعد وفاة نبي الله إدريس عليه السلام بمدة ولم يكن
في ذلك الوقت نبيّ، قال الله تعالى حكاية عن هؤلاء الذين عبدوا هؤلاء
التماثيل التي كانت صورًا لخمسة من الصالحين: {وقالوا لا تذرُنَّ ءالهتُكم
ولا تذرُنَّ وَدًّا ولا سُواعًا ولا يغوثَ ويَعوقَ ونسرًا} (سورة نوح/33).
فسيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام عاش تتمة الألف سنة بعد سيدنا ءادم على
الإسلام هو ومن اتبعه ومن كان معه، يدعو المسلمين الذين كانوا في زمانه إلى
تطبيق شريعة الله وأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وأخذ ينهى عن مخالفة
شريعة الإسلام، فأطاعه بعضهم وخالفه بعض، فنوى أن يرحل فأمر من معه أن
يرحلوا معه عن وطنهم العراق فثقل على هؤلاء الرحيل عن وطنهم، فقالوا له:
وأين نجد مثل بابل إذا رحلنا؟ وبابل بالسريانية النهر، كأنهم عنوا بذلك
دجلة والفرات، فقال لهم: إذا هاجرنا لله رزقنا غيره (أي بلدًا غيره) فلما
خرج سيدنا إدريس عليه السلام ومن معه من العراق ساروا إلى أن وافوا هذا
الإقليم الذي يسمى بابليون فرأوا النيل ورأوا واديًا خاليًا فوقف سيدنا
إدريس على النيل وأخذ يتفكر في عظيم قدرة الله سبحانه ويسبح الله سبحانه و
تعالى .فقد دعا سيدنا إدريس عليه السلام إلى دين الله وإخلاص العبادة له،
وإلى الالتزام بالشريعة وإلى تخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل
الصالح، وحضّ على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة والعمل بالعدل وعدم
الظلم، وأمرهم بالصلاة وبينها لهم وأمرهم بصيام أيام معينة من كل شهر،
وأمرهم بزكاة الأموال معونة للفقراء، وشدّد عليهم في الطهارة من الجنابة،
وحرّم عليهم الخمر والمسكر من كل شىء من المشروبات وشدد فيه تشديدًا
عظيمًا، وقيل جعل لقومه أعيادًا كثيرة في أوقات معروفة، وقيل كان في زمانه
72 لغة يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالى لغاتهم جميعها ليعلم كل فرقة
من قومه بلغتهم كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
ليبين لهم} (سورة إبراهيم/4) .

***************


كانت ارض مصر هي مُستقر و مكان سكن سيدنا إدريس عليه السلام ....فسكن في
منف(مصر القديمة)حاليا ،فأقام في وادي خصب التراب طيب المناخ مع قومه و
صحابته الكرام يدعوهم للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و عبادة الله و عدم
الخروج على طاعته .....و هناك قصر أثري قيل ان إدريس سكنه و قد أكتُشف صحف
كثيرة يُقال انها منسوبة إليه في مصر و إثيوبيا و غيرها ...و الله اعلم
......اما في العراق في مسجد (السهلة) يوجد مقام يسمى (مقام إدريس)يقال إنه
ينسب إليه أيضا و انه كان يعمل هناك خياطا و قيل انه اقام و رفع للسماء من
هناك و الله اعلم .....



مقام النبي ادريس- من مسجد السهلة المعظم (أحد أكبر المساجد التي شيدت في الكوفة خلال القرن الأول الهجري)

***************

و قد ورد ان سيدنا إدريس هو اول ن خط بالقلم و تعلم الكتابة ...فإلى جانب
انه نبي ...فهو إنسان مُبدع مخترع ما ينفع الناس و ما يساعدهم في حياتهم
..و لكن ليس مخترعا لما يدمر الناس بالأسلحة و نحو ذلك!!! كان يستعمل عقله
في الاستفادة و افادة الناس و ليس لإضرارهم .......فكان اول من كتب و خط
بالقلم ....و تدرج بها ...فكان اولا يكتب بالحجر و العظم و الرمل ...حتى
كتب بالقلم ...و هو اول من يخيط الثياب و لبسها و كانت قبل ان يخترعها كان
الناس يلبسون من جلود الضأن و الحيوانات ....فأبتكر إدريس القماش و خاطه و
هو اول من لبسه ......وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم ، وقد أدرك من
حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين . وقد قال طائفة من الناس : إنه المشار
إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن الخط بالرمل فقال : " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك " .




و روى ابن كثير في ارشاد الفقيه 2/336 :
عن أبي ذر :
قلت : يا رسول الله كم الأنبياء ؟
...إلخ حتى قال :
وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بقلم
.... و حتى قال :
قال مائة وأربعة كتب ...أنزل على شيث خمسين صحيفة وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة ...إلخ الحديث
خلاصة حكم ابن كثير : غريب جداً ومن وجه آخر عن أبي ذر بإسناد لا بأس به

*****

و روى ابن كثير ايضا في البداية و النهاية2/140 :
عن ابي ذر قال قلت يا رسول الله كم ... إلخ
إلى ان قال : وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم
خلاصة حكم ابن كثير: [فيه] محمد الغساني الشامي تكلموا فيه

*****

و اخرج الألباني في ضعيف الجامع 2127 : عن أبي ذر الغفاري عنه ص :
أول الرسل آدم ، و آخرهم محمد ، و أول أنبياء بني إسرائيل موسى ، و آخرهم عيسى ، و أول من خط بالقلم إدريس


و كان إدريس عليه السلام يعمل خياطا و يكسب من عمل يديه .....فهذا يحث
الصناع و اصحاب المهن على الإبتكار و التطوير دائما (إذا عمل احدكم عملا
فليتقنه) و ان يأكل من المال الحلال....و كان إدريس عليه السلام مع كل غرزة
إبرة في الثوب يقول (سبحان الله )او (سبحان الله و بحمده سبحان الله
العظيم) ....فلو نسي ان يقول (سبحان الله)في غرزة واحدة فقط من غرزات
الأبرة ....يفتق ما خاطه ، لأنه ربما لا تكون ثمرة العمل و فضله إلا في تلك
الغرزة الصغيرة ...،و لأن العمل لا يُكمّل إلا بذكر الله عليه و التوكل
عليه في فعل اي عمل......و كان إدريس من كثرة تسابيحه و عمله الجليل و
القيام و السهر بالطاعات و كثرة العبادة .....كان الله لا يرفع عملا لأحد
من الناس في زمانه في كل يوم بقدر ما يُرفع لإدريس من عمل ....فكان كل يوم
يُرفع له عملا بقدر عمل جميع اهل الأرض (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل
الصالح يرفعه) اي انه كما يقولون (رجل واحد بألف رجل)فما بالك إن كان ذلك
كل يوم !!!!!!سبحان الله فذلك قوله تعالى (و من يتق الله يجعل له مخرجا و
يرزقه من حيث لا يحتسب) فكما رايت كيف احسن الله حال إدريس و قومه بعد أن
كانوا في بابل أرض القحط و الكفر ...فمن عليهم بأرض الخصب و الإيمان و جعل
إدريس افضل الناس عملا عنده و كان يرزقه بعمله لأنه كان يراعي حقوق الله
فيه حق رعايته ....
و روي ان سيدنا إدريس عليه السلام ..كان يخيط في بيته ..فجاءه ذات مرة
إبليس اللعين في صورة إنسان ...فكان إدريس يغرز و يخيط ...فقال له إبليس :
إن الله قادر أن يجعل الدنيا في هذه ..و أشار إلى قشرة صغيرة جدا ...فقال
له إدريس إن الله قادر ان يجعل الدنيا في سم هذه الأبرة .....و غرزها في
عين إبليس اللعين ...ومعنى قول ادريس عليه السلام الله تعالى قادر أن يجعل
الدنيا في سم هذه الابرة، أراد به أن الله تبارك وتعالى قادرٌ أن يصور
الدنيا أصغر من سم الابرة ويجعلها فيها، أو يجعل سم الابرة أكبر من الدنيا
فيجعلها أي الدنيا في سم الابرة، لأن الله تبارك وتعالى على كل شيء قدير،
وانّما لم يفصل له سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام الجواب لأنه معاند،
ولهذا عاقبه على هذا السؤال بنخس العين. ذكر هذه القصة الأستاذ أبو اسحاق
الاسفرايني في كتابه الترتيب في أصول الفقه وهذا ليس ثابتا من حيث الاسناد
....
وقد روى الإمام ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي
قال: (يا أبا ذر أربعة سريانيون: ءادم، وشيث، وأخنوخ وهو ادريس وهو اول من
خط بالقلم، ونوح) .اي ان إدريس كان غير عربي بل سرياني اللُغة و هي لُغة
كانت قبل ظهور العربية ،و لم يكن على الأرض عرب في ذلك الوقت .....بل ظهر
العرب فيما بعد الطوفان و تكاثرت الذرية بعدها ....و كانت العرب من ذرية
سام بن نوح....و قد جاء منهم قومي عاد و ثمود اصحاب صالح و هود ....و كانوا
عرب و لكن كانت لغتهم تختلف عن العربية .

و ذكر صاحب كتاب (بحار الانوار) -ج11- :
ما روي عن ابن عبّاس أن إدريس كا يسبح النهار و يصومه ويبيت حيث ما جنه
الليل و يأتيه رزقه حيث أفطر و كان يصعد له من العمل الصالح مثل ما يصعد
لأهل الأرض كلهم في كل يوم .. فسأل ملك من الملائكة ربه بزيارة إدريس عليه
السلام و أن يسلم عليه فأذن له ،فنزل الملك إليه و أتاه فقال له إدريس :
إني أريد أن أصحبك و اكون معك .فصحبه
و كانا يسيران في النهار و يصومانه فإذا جنهما الليل يفطر إدريس بعد صيامه و
يدعو ملك الموت للأكل فيقول : لا حاجة لي فيه ...ثم يقومان يصليان ،و
إدريس يصوم و يفتر و ينام ،و ملك الموت يصلي و لا ينام و لا يفتر ...فمكثا
على ذلك أياما .
ثم إنهما مرا بقطيع غنم و عنب قد اينع فقال ملك الموت : هل لك أن تأخذ من ذلك حملا او من هذا الأعناب عناقيد لتفطر عليه؟
فقال إدريس متعجبا : سبحان الله أدعوك إلى مالي فتأبى ،فكيف تدعوني إلى مال غيري؟؟ !!
ثم قال إدريس للرجل : فقد صحبتني و احسنت فيما بيني و بينك ..من أنت؟
قال : أنا ملك الموت
فقال : لي إليك حاجة
قال : ما هي ؟
فقال : تصعد بي إلى السماء
فأستأذن ملك الموت ربه في ذلك فأذن له فحمله على جناحه فصعد به إلى السماء ..ثم قال له إدريس : إن لي إليك حاجة أخرى .
قال : و ماهي ؟
فقال : بلغني ان في الموت شدة فاحب ان يذيقني منه طرفا فانظر هو كما بلغني .
فأستاذن ملك الموت ربه فاذن له فاخذ بنفسه ساعة ثم خلّى عنه .
قال ملك الموت : كيف رأيت يا إدريس؟
فقال إدريس : بلغني عنه شدة و أنه لأشد مما بلغني ..ثم قال لملك الموت : أريد منك حاجة اخرى ،أن تريني النار .
فأستأذن ملك الموت خازن النار فأستأذن خازن النار ربه فأذن له ،ففتح له فلما رآها إدريس سقط مغشيا عليه .
ثم قال : لي إليك حاجة اخرى ،أن تريني الجنة .
فأستأذن ملك الموت صاحب الجنة فاستأذن صاحب الجنة ربه فأذن له ،فلما رآها
إدريس قال لملك الموت : ما كنت لاخرج منها فالله يقول (كل نفس ذآئقة الموت)
و قد ذقته ،و يقول (و إن منكم إلا واردها) و قد رأيتها -أي النار- ،و يقول
(و ما هم منها بمخرجين) و لست أخرج من الجنة بعد دخولها .
فأوحى الله لملك الموت : خصمك عبدي فأتركه و لا تتعرض له . فبقى بالجنة .

و كان هذا الملك الذي ذكرناه خليل سيدنا إدريس و صاحبه لا يفارقه أبدا ....و هذا من خصائص سيدنا إدريس التي اختص بها ....
و ذكر صاحب كتاب(بدائع الزهور في وقائع الدهور) : (( و يُروى أن ملك الموت
أستأذن ربه بأن يزور إدريس فأذن له في زيارته ، فأتى إليه في صورة رجل ..
فقال إدريس له : من أنت أيها الرجل؟
فقال الملك : أنا ملك الموت أستأذنت ربي في زيارتك فأذن لي في ذلك .
فقال إدريس: إن لي إليك حاجة . قال الملك :و ما هي؟ فأجاب إدريس :أن تقبض
روحي في هذه الساعة ،فقال ملك الموت :إن ربي لم ياذن لي بذلك . فأوحى الله
الى ملك الموت :إني أعلم ما في نفس عبدي إدريس فأقبض روحه ..فقبضها في
الحال .
ثم إن الله احياه في الحال فقال إدريس :يا ملك الموت بقى لي حاجة اخرى .
فقال الملك: و ما هي؟ قال إدريس :أن تمضي بي لجهنم لأنظر أهوالها ...فأذن
الله له بذلك فحمله ملك الموت و اتى به لمالك خازن النار فاوحى الله الى
مالك خازن النار بأن :اوقف عبدي ادريس على شفير جهنم لينظر ما فيها ،فلما
وقف ادريس و نظر اليها أُغشي عليه من اهوالها المفزعة المميتة خوفا ..فجاء
اليه ملك الموت و احتمله لمكانه الذي اخذه منه .
..فصار ادريس منذ ذلك اليوم لا تكتحل عيناه بمنام و لا يهنا بمطعم و لا
بمشرب و لا يقر له قرار من هول جهنم الذي رآه فأنعكف إدريس عليه السلام على
عبادة الله و مرت عليه الأوقات و السنين .. فتزوج و انجب ...
حتى حان الوقت أن يأتيه خبر رفعه للسماء مرة أخرى ....فقد دخل إدريس على
محرابه و سأل الله أن يريه الجنة كما أراه النار ،فاوحى الله إلى رضوان
خازن الجنان بأن يدلي لإدريس غصناً من أغصان الجنة ،فأدلى رضوان لإدريس غصن
من أغصان شجرة طوبى الكريمة ،فتعلق به إدريس و صعد إلى السماء فأدخله
رضوان الجنة ..فلما أطال إدريس الجلوس بالجنة قال رضوان له :أخرج فقد نظرت
إلى الجنة و ما فيها ،فقال إدريس :ما أنا بخارج منها ...و قد قال تعالى (كل
نفس ذآئقة الموت) و قد ذقته ،و قال تعالى (و إن منكم إلا واردها)و قد
وردتها ،و قال تعالى (و ما هم منها بمخرجين) إذا فما أنا بخارج منها
...فأوحى الله تعالى إلى رضوان : (قل لعبدي إدريس لا يخرج منها أبدا ).

...و في خبر آخر رواه أبن أبي حاتم : أنه لمّا سأل سيدنا ابن عباس كعب
الأحبار عن قوله تعالى (و رفعناه مكانا عليا) فقال : أما إدريس فإن الله
اوحى اليه : اني رافع لك كل يوم مثل جميع عمل بني ءادم من اهل زمانك فأحب
ان يزداد عملا ..حتى جائه صاحبه الملك فقال له إدريس : إن الله أوحى إلي أن
ازيد من عملي و أني لأرجو أن اكون خير أهل الأارض..فصار الملك مع إدريس
حتى أزداد عمله فرفع الملك إدريس على ظهره بين جناحيه حتى وصلوا للسماء
الرابعة ....و إدريس بينما كان على ظهر المَلَك بعد أن صعدوا للسمآء من
الأرض ...فكانوا في السماء الرابعة تلقاهما ملك الموت منحدرا،فقال ملك
الموت : و اين إدريس؟ ...فقال الملك صاحب إدريس : ها هو ذا على ظهري
...فقال ملك الموت متعجبا مندهشا : بعثني الله و قال لي :اقبض روح إدريس في
السماء الرابعة ....فكيف اقبض روحه في السماء الرابعة و هو على الأرض -أي
في ظن المَلَك أن إدريس على الارض فتعجب من أنه أُمر بقبض روحه بالسماء
الرابعة و فعلا مفاجئتا من غير توقع أنه وجده بالسماء الرابعة فهو لم يقبض
روح أحد قبل ذلك بالسماء الرابعة- ..فقبض روحه هنالك ،فذلك قوله(و رفعناه
مكانا عليا) ..

...و هذه الروايات من الإسرائيليات و في بعضها نكارة كما قال ابن كثير في
التفسير ....و قيل إدريس رفع للسماء الرابعة و ليس الجنة ...و قيل الجنة
لأنها في عليين لذلك(مكانا عليا) كما ذكرنا ....لذلك تجد المفسرين يقولون
معنى(و رفعناه مكانا عليا) اي إلى الجنةو قيل السماء الرابعة و قيل السادسة
.....و ارجح الأقوال انه موجود في السماء الرابعة كما ورد في رحلة معراج
سيدنا محمد ...حيث عندما جاء دخول سيدنا محمد السماء مع جبريل ...قيل
لجبريل : من انت؟ قال : جبريل . قال القائل : و من معك قال جبريل : محمد
....فدخلا فإذا بإدريس فسلم عليه فقال : مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح
، اي ان إدريس في السماء الرابعة ...و الله اعلم


********************




نسخة نادرة من الصحائف المنسوبة إلى إدريس النبى الذى عرف عند المصريين
القدماء باسم (اخنوخ) وعند اليونان باسم (هرمس) وهذه المخطوطة النادرة
محفوظة حالياً بمكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت
*
كانت لإدريس شريعة سماوية مثلها كمثل كل شريعة في أنها من عند الله ،و أن
نفس بنود الشريعة في كل الشرائع كالصلاة و الزكاة إلخ ...لكن تختلف كيفيتها
..و كانت شريعة إدريس كالتالي :
1- الدعوة للصلوات فحدد طقوسها لكل أمة من امم الأرض ال72 .
2- أمر بالزكاة فيساعد الغني الفقير و يُعين القوي الضعيف .
3- امر بالصيام و حدد لها -بأمر من الله- شهرا أو أياما معروفة .
4- دعا الناس إلى الطهارة و النظافة و الوضوء التي لا تتقبل الصلاة إلا بها .
5- شدد على تجنب المشروبات المسكرة مثل الخمر لأنها تُذهب العقل الذي لا
كرامة للإنسان إلا به ...و أمر بإجتناب كل فسق و إثم و فجور و إفساد بين
الناس .
6- حثّ على الجهاد في سبيل الله ..و لقد كان لنا فيه أسوةٌ حسنة حينما جاهد بنفسه ولد قابيل قبل هجرته لوادي النيل .
7- أمر بالعدل بين الناس و حضّ على الزهد و فعل الخير و الإحسان إلى الفقراء و المساكين .
8- القيام بالأعمال الصالحة و اداء النوافل لرضا الرب و تقبل العمل من
الإنسان ليخفف عنه العذاب يوم الدين ...و الدعوة لطلب العلم و التفكر في
خلق الله .
9- الدعوة لدين الله بالحكمة و الموعظة الحسنة و توحيده و عبادته دون سواه
فلا يشوب العمل رياء و لا نفاق و لا تعظيم لمخلوق على الله .
10- جعل للناس أعيادا يحتفلون بها و يقدمون القرابين و ذلك في أيام ثابتة
من كل سنة ...مثله كمثل عيد الفطر المبارك في شريعة محمد لكن مع أختلاف
كيفيته أو وقته .
فهذه كانت أيضا وصايا إدريس ..و هي10 وصايا ،كما كانت وصايا سيدنا محمد
10وصايا ،و وصايا سيدنا يحيى(ع) 5وصايا ..و وصايا سيدنا موسى 10 ...إلخ

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:28 pm

ورد
في صفة (أرميس) انه كان ضخم الجسد ..طويل القامة ...عريض المنكبين ..اسمر
اللون مع حلاوة مثل لون سيدنا موسى عليهما السلام ... كث اللحية كبيرها
...اصلع قد اجتمع شعره على جانبي رأسه ...عابسٌ وجهه من كثرة التفكير و
الإبداع و الإختراع ...ينظر كثيرا للأرض يداوم على التفكير في الآخرة و
مكان دفنه و قبره بالأرض فكان يبكي بشدة كلما تذكر وعد الله الحق ...يحرك
سبّابته إذا تكلم -و هي من طرق الحكماء العارفين بالله لما ينطقوا بشئ-
....كبير إحدى العينين صغير الأخرى ..فلو كان حقا و فعلا أن أرميس هو إدريس
لكانت هذه نفسها صفات إدريس ..فإن أرميس و إدريس بينهما تشابه كبير لدرجة
أنها تكاد أن تكون شخصيات واحدة....و الله اعلم بهذه الصفات ...و روي عن
سمرة بن جندب في مستدرك الحاكم ان إدريس (كان ابيض اللون ،ضخم البطن ، كثير
شعر الرأس ،قليل شعر الجسد ،عريض الصدر ،في صدره او بطنه نكتة بيضاء كأنها
مثل البَرَص)و الله اعلم


***********************


و عُرف إدريس بالعلم الذي نشره سواءا في الطب العشبي أو الفلك و ربما كان
له الفضل في أختراع العجلة و السواقي و المصابيح الزجاجية و انشأ المُدن
..فرفعت مكانته عاليا في كتب الحكمة و سمّوه ب(هرمس) و هم (الصابئة) الذين
عبدوا الأجرام السماوية و أمنوا بنظرية الحلولية في التماثيل و الطواطم
،كذلك سمته اليونان بأسم (أرميس) الذي يعرب للعربية ل(هرمس)
و كان إديس كما ذكرنا اول من خط بالقلم و اول من خاط الثياب ،فأوجد الآت
الخياطة و الحياكة و عمم صناعة النسيج على شعبه بحيث كانوا يغزلون الصوف و
يصنعون النسيج و يخيطون الثياب ..



و أول من جاهد في سبيل الله و قيل اول من ركب الخيل و الدواب و جاهد بها و
قيل اول من استعملها في الركوب و الجهاد و التنقل و السير و الترحال و
الحمل ..فقد سخّر إدريس الحيوانات في خدمته و خدمة الإنسان ،فأستعمل البغال
و الحمير و الجمال التي استعملها للنقل و التواصل بين الناس و كانت هي
وسيلة إدريس في إنتقاله و سفره لمصر


....و اول من يرسم لقومه قواعد تمدين المدن و تبعا لانتشار الامم في الارض
فقد انتشرت المدن الخاصة بكل جماعة منهم فاكب ادريس على تنظيم مجتمعه
الساكن في وادي النيل فتناول كل شؤون حياته ...فعلى الصعيد العمراني خطط
المدن و شق الطرقات و أوصل المياه بواسطة الأقنية لري المزروعات و تزويد
البيوت بها..فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وأنشئت في زمانه 188
مدينة ..و على الصعيد الزراعي فقد أوجد أدوات الفلاحة و الحصاد و القطاف و
زرع المواسم و أختار كل نوع من أنواع الحبوب و زرعه في قوته المناسب ،و فلح
في الأرض بواسطة الثيران و الأبقار .
و أنتشر الناس في أيامه بكل أصقاع الأرض و اخذوا يتآلفون بعضهم مع بعض حسب
ميولهم و معتقداتهم و أوجدت في كل جماعة منهم لغة خاصة بها ،حتى قيل إنه
تكلم الناس في أيامه بإثنين و سبعين لغة ..لذلك علمه الله كل هذه اللغات
ليدعوهم إلى الله و العمل بأحكامه العُليا .
و اقام للأمم في زمانه سُننا ففي كل إقليم سنة تليق باهلها ،و وضع لكل
إقليم في الأرض ملك يسوس أمرها و كانت أربع أقاليم فساسها أربعة ملوك....و
قيل انه اول من وضع الأوزان و الكيول .



و اول من تعلم الحساب و مبادئ الرياضيات و علوم النجوم (فكان اول من يهتدي
بالنجوم في الليل) و يستعملها في معرفة عدد السنين و الحساب ....و أول من
ينظر و يتعلم علم الفلك و النجوم ...فكان يتعلم علم الفلك و الرياضيات
فيستخدمها في طاعة الله فيستخدم مثلا الرياضيات الهندسية في بناء أماكن
محكمة البناء شديدة الصلابة لكي يحفظ بها علوم الله التي وهبها لإدريس و
كان علما نافعا و كان يبني الدور للعبادة و التقديس و التمجيد و تلقى العلم
و فعل العمل الصالح ....و ذلك قوله تعالى -فيما معناه- افمن أسس بنيانه
على التقوى خير أم من أسس بنياه على شفا حفرة من النار ..فقد بنى إدريس
البناء للخير و الطاعة و أستعمل علم الرياضيات في فعله لرضا الله ...فجازاه
الله خيرُ الجزآء و رفعه مكانا عليا و هو مصداقا لقول النبي ص : أنه من
بنى مسجدا لله خالصا ،بنى الله له بيتا في الجنة ..فما بالك لو كان إدريس
قد بنى عشرات العشرات من دور العبادات و الصلوات ..فما بالك لو كان ذلك
الحال كل يوم فيبني في كل يوم عشرات البيوت العبادية ..لذلك قال (و رفعناه
مكانا عليا) بعمله الذي لا ينقطع عنه ليلا و لا نهارا عن فعله بأن بنى له
جزاءا لذلك ما لا يعد و لا يحصى من البيوت و القصور بالجنة التي لم تخطر
على قلب بشر ....فكما مجّد أسم الله بذكره و حسن الثناء عليه مجّد الله
ذكره عنده و أثنى عليه بحسن فقال في كتابه..ليس في اي كتاب ..بل في أشرف
كتبه ..القُرآن : (و أذكر في الكتاب إدريس)كما ذكرنا نذكره ،و لماذا أثنينا
عليه و ذكرناه؟ لأنه (إنه كان صديقا نبيا) و فوق ذلك كله أكرمناه أيضا ب(و
رفعناه مكانا عليا)كما مجدنا و رفع من مكانة أسمنا و كانت كلمة الله هي
العُليا ...
فقد كان إدريس على درجة عالية من الذكاء و الفهم و التخطيط فقد أوصاه الله
سبحانه بتعلم كل العلوم و أسرارها و ظواهرها و خوافيها ..فقد علمه الله علم
الكواكب و أفهمه عدد السنين و الحساب و الأشهر و الأيام فنظم شؤون الحياة و
قسّم الأوقات بما يتفق و دورات الكواكب .
و قيل انه اول من بنى الأهرام و استعمل الحساب و الهندسة و علم النجوم في
بنائها و صناعة الألات و المعدات ...فقيل انه بنى اول الأهرام في صعيد مصر
الأعلى و وضع بها علمه و كتب حكمه خشية الضياع ...لأن الله اعلمه ان طوفان
نوح سيقع في الأرض ...و هو اول من يُنذِر و يُنذَر بالطوفان ....فخشى على
حكمه و علومه من الضياع ...فبنى الأهرامات في الصعيد و كتب بها علومه و
فلكه و حكمه ...و لكن الدنيا استدلت عليها الستار بالرمال و غطتها ....و
يقال ان إدريس هو جاء بفكرة هندسة و بناء اهرامات الجيزة و الله اعلم
....لذلك قيل عن بعض الناس ان الطوفان مع انه وقع ..فإنه لم يحطم الأهرام و
لم يهدمها مع ان الطوفان لو جاء على بناء غيره لهدمه ...لماذا؟؟ لأن لكل
بناء و له صانع و فكر الصانع ....أما إدريس فهو الذي بنى الأهرام و فكره
اعجب و اكبر من اي صانع ...لذلك اصبحت الأهرامات إحدى عجائب الدنيا ..إلى
وقتنا هذا!!!!!
و كل هذه الأشياء و الاوليات كما قال الإمام الشعراوي ( أوليات إدريس )



**********************



...بقت وصايا سيدنا إدريس و صحفه و نجد آثارها في كتاب الموتى بالأهرامات
حيث نرى فيها : الإيمان بالله و اليوم الاخر و الغيب و القدر و الروح و
الملائكة و الجن و القرين ...كان الإيمان في عهده يتّبع طور (التوحيد) الذي
خلف طوري التعدد و الترجيح
و له حكم و فوائد عديدة ظلت حتى الان بعطرها الندى و كلامها المُسطّر بالحُليّ ، و اذكر منها :
الجاهل صغير وإن كان شيخا ،و العالم كبير و إن كان حدثا .
الدنيا تهين من كانت تكرمه ، و الارض تأكل من كانت تطعمه .
الناس إثنان : طالب لا يجد و واجد لا يكتفي .
غضب الجاهل في قوله ،و غضب العاقل في فعله .
عوّدوا نفسكم إكرام الأخيار من أجل خيرهم ،و اما الأشرار فالأستكفاف شرهم .
روّضوا اولادكم بالتعليم من الصغر .
من كظم غيظه و قيد لفظه و طهر نفسه ،فقد غلب الشر كله .
من جاد بالعلم و الحكمة فهو كمن جاد بالمال ،و المال يفني و العلم يبقى .
المال يفنى و اعمال البر و الخير تبقى .
ساووا بين باطنكم و ظاهركم و لا تكن السنتكم مخالفة لضمائركم .
إجمعوا بين محبة الديانة و الحكمة و اوقفوا انفسكم على تعاليمه .
لا يمكن ان يكون الإنسان عادلا و هو غير خائف من الله عز و جل .
زَلّة العالم تكسر السفينة فتغرق .
قابل غضبك بحلمك ،و جهلك بعلمك ،و نسيانك بذكرك .
الجود هو ان تجود بمالك ،و تصون نفسك عن مال غيرك .
أحتشموا المكاسب الدنيئة فإنها و إن ملات اكياسكم من المال ،فإنها تفرغ قلوبكم من الإيمان .
و غير ذلك من الحكم و الأقوال كثيرة الجمّة الجميلة المأثورة عنه عليه الصلاة و السلام ...


و كما قلنا أن إدريس قسّم الأرض إلى أربع أجزاء و جعل لكل جزء منها والي
يسوس أمرها ..فأسماء الولاة هُم : إيلاوس - زوس - إسقلابيوس - بسيلوخس آمون
...و كان آمون هذا قد ملك مصر و ما حولها ...فأوصاه إدريس بوصايا عجيبة
مفيدة تدل على حكمة إدريس و حسن تدبيره و عقله العبقري الباهر ..أوصاه فقال
له كما في كتاب (أخبار العلماء )للقفطي :



((أول ما اوصيك به تقوى الله عز و جل و ايثار طاعته ،و من تولى أمور الناس
فيجب عليه ان يكون ذاكرا ثلاثة اشياء 1-ان يده تكون على قوم كثير 2-ان
الذين يده مطلقة عليهم احرار لا عبيد 3-ان سلطانه لا يلبث
و إياك أن تهمل الحرب و الجهاد لمن لا يؤمن بالله جل اسمه و لا يتبع سنتي و شريعتي .
و اعلم أن الرعية تسكن إلى من احسن إليها و تنفر ممن أساء و السلطان برعيته ،فإذا نفروا عنه كان سلطانه نفسه.
أصلح آخرتك تصلح هي دنياك.
اكتم السر و استيقظ في الامور و جد في الطلب و اذا هممت فأفعل .
و عليك بحفظ اهل الكيمياء العظمى-أي أهل الإجتهاد و الفطنة و العمل- و هم الفلاحون فإن الجند بهم يكثرون و بيوت المال تعمر.
و أكرم أهل العلم و قدمهم لئلا تجهل الرعية حقهم .من طلب العلم أكرمه ليصفو ذهنه .
من قدح في الملك اضرب عنقه و شهره ليحذر سواه فإن الملك إذا فسد فسدت الرعية .
و من سرق فاقطع يده ..و من قطع الطريق أضرب عنقه-اي اقطع رأسه بمعنى اقتله- ..و من وجدته مع ذكر مثله فحرّقه بالنار .
تعهد أمر المحبوسين في كل شهر تأمن سجن المظلوم .
شاور من علمته عاقلا تأمن ضلال الإنفراد .
لا تعاجل صغار الذنوب بالعقوبة و أجعل بينهما للإعتذار طريقاً .
سبيل الملك أن يبتدي بسلطانه على نفسه ليستقيم له سلطانه على غيره)) .



************************



سُمي إدريس عند اليونان بأسم (أرميس )او هرمس ...يلقب طريسميجيسطيس ،و يسمى
عند الإغريق و اليونان انه(ثلاثي التعليم) لأنه عندما دعا للوحدانية و
الإسلام ....وصف ربه بثلاث صفات (الوجود . الحكمة . الحياة) ، و يُسمى في
التوراة السامرية ب(حنوك) .
و قيل سُمي إدريس على وزن صيغة (إفعيل)و هي صيغة مُبالغة تدل على الإكثار و
المبالغة في فعل الشئ ...اي انها تدل على انه إدريس (إفعيل)من كثرة دراسته
و تدريسه لعلوم الله و تعليمها و تدريسها لغيره ....لذلك جائت الأية (و
رفعناه مكانا عليا) اي لمكانته عند الله تعالى و عمله و علمه و كثرة دراسته
لكتب الله تعالى ....و في حديث النبي عليه الصلاة و السلام :
"إن الله وملائكته والنمله فى جحرها والحوت فى بحره يصلون على معلم الناس الخير".


و قيل إدريس اسم مُعرب إلى العربية و اصله مثلا (خنوخ) و (ارميس) و
(اوزوريس) و غير ذلك ...و قد نقلت من أحد المواقع هذه الكلمة : وأما اشتقاق
اسمه فلم نقف عليه من وجه ثابت، والأصل في الأعلام الارتجال وعدم الاشتقاق
كما يقول علماء اللغة ....و الله تعالى أعلى و أعلم


وفاته :


يُذكر في روايات انه رفع للسماء ... و هذه الروايات صحيحة سندا لقائلها ...
لكن ليست صحيحة متنا لما تحتويه ... فلم يصح ذلك مثلا عن رسول الله ص الذي
لا ينطق عن الهوى
و لو كانت الروايات التي تقول برفعه صحيحة فصدقنا بها ... و لكنها للأسف ليست ثابتة
فهذا الخبر يحتمل الصدق و الكذب ... فلا اقدر على ان اقول شئ إلا "لا تصدقوهم و لا تكذبوهم" اي اهل الكتاب لأن هذا الخبر من عندهم
و لا مانع في رفعه عليه السلام ... فهو نبي من الأنبياء له ما لا لغيره مِن مَن دون الأنبياء ...
فالله اعلم هل رفع ثم هبط للارض و دفن
او رفع و لم يرجع و مات بالسماء ..فالله على كل شئ قدير
او لم يرفع اصلا
كل هذه اقوال لا تصدق و لا تكذب .... ليس لأنها غير معقولة !! ... بل لأنها ليست ثابتة سندا و لو صحت لأخذنا بها


و الصحيح في وفاته انه مات و دفن في الارض (منها خلقناكم و فيها نعيدكم و
منها نخرجكم تارة اخرى) لأن الحق قال (كما بدأنا اول خلق نعيده) و قال
(سنعيدها سيرتها الأولى) لأن اي شئ مخلوق محكم خلقه لا يمكن ان يختل شئ منه
لأنه بناء هندسي مُنظم مُحكم مرتبط.....فإننا يمكن ان نقول ان إدريس رفع
إلى السماء و هي معجزة لأن الأنبياء لهم المعجزات الخاصة بهم ...مع ان هذه
الروايات التي تقول برفع إدريس ضعيفة ..و لكننا نقول لا يمكن ان يموت او
يدفن إدريس إلا في الارض ...فهذا شئ لا يفر احد من الخلق منه ابدا ...و
الله اعلم كيف مات عليه السلام و لا اين و اين دفن ..فالكلام و الأخبار
تتعدد عن مكان دفنه
منها ما ذكر ان هرمس "الذي يعتقد انه إدريس" و تلميذه ديمون مدفونين تحت هرمين غربي مصر .....
كما يذكر التاريخ الفرعوني ان اوزوريس رفع للسماء ... بينما تقزل اخبار
المسلمين ان إدريس رفع للسماء .... و هذا من احدى الدلائل التي تقوي مذهب
بأن أوزوريس هو إدريس

و ذكر عدة أحاديث و اخبار ايضا "خلاصتها" :
أن إدريس عليه السلام ولد في يوم عاشوراء و مات و رفع للسماء في يوم
عاشوراء و كان يوم خميس ...و كان رفعه للسماء من منطقة في مسجد السهلة
بالكوفة بالعراق ... و كان مكان رفعه في السماء الرابعة "على ارجح الأقوال"
فقد قيل رفع للخامسة و قد قيل رفع للسادسة !
و الله اعلم

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 9:32 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:30 pm

إدريس في كتب التفسير :





من تفسير خواطر إيمانية للإمام محمد متولي الشعراوي الدقادوسي :



{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً }

ما زال القرآن يعطينا لقطاتٍ من موكب الرسالات والنبوات. وإدريس عليه
السلام أوّل نبي بعد آدم عليه السلام، فهو إدريس بن شيث بن آدم. وبعد إدريس
جاء نوح ثم إبراهيم، ومنه جاءت سلسلة النبوات المختلفة.
وقوله: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } [مريم: 56].

صِدّيق: من مادة صدق، ومعناها: تكلّم بواقع؛ لأن الكذب أنْ يتكلّم بغير
واقع. وهذا يُسمَّى: صادق في ذاته، أما قولنا: صِدِّيق أي: مبالغة في
الصدق، فقد بلغ الغاية في تصديق ما يأتي من الحق تبارك وتعالى، فهو يطيع
ويُذعِن ولا يناقش، كما رأينا من أم موسى ـ عليه السلام ـ لما قال لها الحق
سبحانه:
{ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ }
[القصص: 7].

بالله، أي أم يمكن أن تُصدِّق هذا الكلام، وتنصاع لهذا الأمر؟ وكيف تُنجِّي ولدها من شر أو موت مظنون بموت مُحقَّق؟

إذن: فهذا كلام لا يُصدَّق، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس، أما في موكب
الرسالات فالأمر مختلف، فساعة أنْ سمعتْ أم موسى هذا النداء لم يساورها
خاطر مخالف لأمر الله، ولم يراودها شَكٌّ فيه؛ لأن وارد الله عند هؤلاء
القوم لا يُعارض بوارد الشيطان أبداً، وهذه قضية مُسلَّمة عند الرسل.

إذن: الصِّدِّيق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق، فيورثه الله شفافية
وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويُميّزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر
ودون بحث وتدقيق في المسألة؛ لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يُبدّد عندك
غيامات الشك، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزنُ به الأشياء، كما قال سبحانه:
{ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً }[الأنفال: 29].

ومن هنا سُمِّي أبو بكر رضي الله عنه صِدِّيقاً، ليس لأنه صادق في ذاته، بل
لأنه يُصدِّق كل ما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لما
أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذَّب به كثيرون، ماذا قال؟ قال: " إنْ
كان قال فقد صدق ".

فالأمر عنده متوقف على مجرد قول رسول الله، فهذا هو الميزان عنده، وطالما
أن رسول الله قد قال فهو صادق، هكذا دون جدال، ودون مناقشة، ودون بَحْث في
ملابسات هذه المسألة؛ لذلك من يومها وهو صِدِّيق عن جدارة.

والسيدة مريم قال عنها الحق تبارك وتعالى:
{ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ }
[المائدة: 75] فسماها صديقة؛ لأنها صدَّقتْ ساعة أنْ قال لها الملَك:
{ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً }
[مريم: 19].

فوثقتْ بهذه البشارة، وأخذتْها على أنها حقيقة واقعة، فلما جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم.

إذن: فالصِّديق ليس هو الذي يَصدُق، بل الذي يُصدِّق. وهكذا كان خليل الله
إبراهيم (صديقاً) وكان أيضاً (نبياً) لأن الإنسان قد يكون صديقاً يعطيه
الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبياً، كما كانت مريم صِدِّيقة
وأبو بكر صِدِّيقاً، فهذه إذن صفة ذاتية إشراقية من الله، أما النبوة فهي
عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهُدى يأتي من السماء يحمل النبي مسئوليته؟
فالصِّدِّيق هو الذي يبالغ في تصديق ما جاءه من الحق، فيجعل الله له بذلك
فُرْقاناً وإشراقاً يُميّز به الحق فلا يتصادم معه شيطان؛ لأن الشيطان قد
ينفذ إلى عقلي وعقلك.
أما الوارد من الحق سبحانه وتعالى فلا يستطيع الشيطان أن يعارضه أو يدخل
فيه، لذلك فالصِّدِّيق وإن لم يكُنْ نبياً فهو مُلْحقِ بالأنبياء والشهداء،
كما قال تعالى:
{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ
أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ
وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً }
[النساء: 69].
وكذلك كان إدريس عليه السلام (نبياً) ولم يقُلْ: رسولاً نبياً، لأن بينه
وبين آدم عليه السلام جيلين، فكانت الرسالة لآدم ما زالت قائمة.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }
{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }
مكاناً عالياً في السماء، رِفْعه معنوية، أو رِفْعة حِسّية، خُذْها كما
شئتَ، لكن إياك أنْ تجادل: كيف رفعه؟ لأن الرِّفْعة من الله تعالى، والذي
خلقه هو الذي رفعه.
ثم يقول الحق سبحانه: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم }
{ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح }
قوله تعالى: { أُولَـٰئِكَ } [مريم: 58] أي: الذين تقدَّموا وسبق الحديث
عنهم من الأنبياء والرسل { مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ } [مريم: 58] أي: مباشرة
مثل إدريس عليه السلام { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } [مريم: 58]
الذين جاءوا بعد إدريس مباشرة { وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ } [مريم:
58] أي: الذين جاءوا بعد نوح.

وقد انقسموا إلى فرعين من ذرية إبراهيم.

الأول: فرع إسحق الذي جاء منه جمهرة النبوة، بداية من يعقوب، ثم يوسف، ثم
موسى وهارون، ثم داود وسليمان، ثم زكريا ويحيى، ثم ذو الكفل، ثم أيوب، ثم
النون.

والفرع الآخر: فرع إسماعيل عليه السلام الذي جاء منه جماع جواهر النبوة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.





من تفسير التحرير و التنوير لأبن عاشور التونسي :


{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }

إدريس: اسم جعل علماً على جد أبي نوح، وهو المسمى في التوراة (أُخنُوخ).
فنوح هو ابن لامك بن متُوشالح بن أُخنوخ، فلعل اسمه عند نسّابي العرب
إدريس، أو أن القرآن سماه بذلك اسماً مشتقاً من الدرس لما سيأتي قريباً.
واسمه (هرمس) عند اليونان، ويُزعم أنه كذلك يسمى عند المصريين القدماء،
والصحيح أن اسمه عند المصريين (تُوت) أو (تحُوتي) أو (تهوتي) لهجات في
النطق باسمه.

وذكر ابن العِبْري في «تاريخه»: «أن إدريس كان يلقب عند قدماء اليونان
(طريسمجيسطيس)، ومعناه بلسانهم ثلاثي التعليم، لأنه كان يصف الله تعالى
بثلاث صفات ذاتية وهي الوجود والحكمة والحياة» اهــــ.

ولا يخفى قرب الحروف الأولى في هذا الاسم من حروف إدريس، فلعل العرب اختصروا الاسم لطوله فاقتصروا على أوله مع تغيير.

وكان إدريس نبيئاً، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين «وسار أُخنوخ مع
الله». قيل: هو أول من وضع للبشر عمارة المدن، وقواعد العلم، وقواعد
التربية، وأول من وضع الخط، وعلّم الحساب بالنجوم وقواعدَ سير الكواكب،
وتركيب البسائط بالنّار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه، وأوّل من علم
الناس الخياطة. فكان هو مبدأ من وضع العلوم، والحضارة، والنظم العقليّة.

فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنّه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب
للأعلام العجميّة، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية، كما منع
إبليس من الصرف، وكما منع طالوت من الصرف.

والصديق بتشديد الدال صيغة مبالغة في الاتصاف، مثل الملك الضّليل لقب امرىء
القيس، وقولهم: رجل مِسيّك: أي شحيح، ومنه طعام حرّيف، ويقال: دليل
خِرّيت، إذا كان ذا حذق بالطرق الخفية في المفاوز، مشتقاً من الخَرت وهو
ثقب الشيء كأنه يثقب المسدودات ببصره. وتقدم في قوله تعالى:
{ يوسف أيها الصديق }
[يوسف: 46]. وصف.. بالصدّيق لفرط صدقه في امتثال ما يكلفه الله تعالى لا
يصده عن ذلك ما قد يكون عذراً للمكلف ..فالصدق هنا بمعنى بلوغ نهاية الصفة
في الموصوف بها، كما في قول تأبّط شرّاً:
إني لمهد من ثنائي فقاصد *** به لابن عم الصدق شمس بن مالك

وتأكيد هذا الخبر بحرف التوكيد وبإقحام فعل الكون للاهتمام بتحقيقه زيادة في الثناء عليه.

وجملة { إنّه كان صديقاً نبيا } واقعة موقع التعليل للاهتمام بذكره في التلاوة، وهذه الجملة معترضة بين المبدل منه والبدل

والنبي: فعيل بمعنى مفعول، من أنبأه بالخبر. والمراد هنا أنه منبّأ من جانب
الله تعالى بالوحي. والأكثر أن يكون النبي مرسلاً للتبليغ، وهو معنى شرعي،
فالنبي فيه حقيقة عرفية. وتقدم في سورة البقرة (246) عند قوله:
{ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً }
وقرأ الجمهور { نبيّا } بياء مشددة بتخفيف الهمزة ياء لثقلها ولمناسبة الكسرة
وقرأه نافع وحده (نبيئاً) بهمزة آخره، وبذلك تصير الفاصلة القرآنية على حرف الألف، ومثل تلك الفاصلة كثير في فواصل القرآن.

وقوله { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }
قال جماعة من المفسرين : هو رفع مجازي. والمراد: رفع المنزلة، لما أوتيه من
العلم الذي فاق به على من سلفه. ونقل هذا عن الحسن.وقال به أبو مسلم
الأصفهاني.
وقال جماعة: هو رفع حقيقي إلى السماء، وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين
«وسار أخنوخ مع الله ولم يُوجد لأنّ الله أخذه»، وعلى هذا فرفعه مثل رفع
عيسى - عليه السلام -. والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروْحنة جثته. ومما
يذكر عنه أنّه بقي ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تَرَوْحَن، فرفع.
وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره
وجدوا في السماوات. ووقع في حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبي - صلى
الله عليه وسلم - إلى السماوات أنه وجد إدريس - عليه السلام - في السماء
وأنه لمّا سلّم عليه قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فأخذ منه أنّ
إدريس - عليه السلام - لم تكن له ولادةٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم -
لأنّه لم يقل له والابن الصالح، ولا دليل في ذلك لأنه قد يكون قال ذلك
اعتباراً بأخوّة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته.


على أنّه يجوز أن يكون ذلك سهواً من الراوي فإن تلك الكلمة لم تثبت في حديث
جابر بن عبدالله في «صحيح البخاري». وقد جزم البخاري في أحاديث الأنبياء
بأن إدريس جد نوح أو جدّ أبيه. وذلك يدلّ على أنّه لم ير في قوله «مرحباً
بالأخ الصالح» ما يُنافي أن يكون أباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -.







من التفسير الكبير للطبراني :


{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقاً نَّبِيَّاً }؛ اسمُ ادريسَ أخْنُوخَ، وهو جدُّ أبي نوحٍ، وسُمي
إدريس لكثرةِ دَرْسِهِ الكتبَ، وكان خَيَّاطاً وهو أولُ من خطَّ بالقلمِ،
وهو أولُ من خاطَ الثيابَ ولبس المخيطَ، وأولُ من نَظرَ في علمِ النُّجوم
والحساب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } أنزلت عليه
ثلاثونَ صحيفةً، وهو أولُ من لَبسَ القطنَ، وكانوا قَبْلَ ذلك يلبسونَ جلود
الضَّأْنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } رُوي
عن أنسِ بن مالك، وأبي سعيدٍ الخدريِّ ومجاهد: (أنَّهُ رُفِعَ إلَى
السَّمَاءِ الرَّابعَةِ)، وقال ابنُ عبَّاس والضحَّاك: (إلَى السَّمَاءِ
السَّادِسَةِ). وَقِيْلَ: معناهُ: ورفعناهُ في العلمِ والنبوَّة إلى درجةٍ
عالية. وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " لَمَّا عُرِجَ بي
رَأيْتُ إدْريْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابعَةِ ".

وكان سببُ رفعهِ على قولِ ابنِ عبَّاس: (أنهُ سارَ ذات يومٍ في حاجتهِ
فأصابَهُ وَهَجُ الشمسِ، فقال: يا رب إنِّي مشيتُ يوماً واحداً، فكيفَ بمن
حملَها خمسمائةَ عامٍ في يوم واحد، اللَّهُمَّ خَفِّفْ عنهُ مِن ثقلِها
واحمِلْ عنهُ حرَّها، فلما أصبحَ الملكُ الْمُوَكَّلُ بها وجدَ خِفَّةً في
حرِّها بخلافِ ما يعرفُ، فقالَ: يا رب ما الذي قضيتَ؟ فقال: إنَّ عبدي
إدريسَ سألَني أن أخفِّفَ عنكَ حملَها وحرَّها فأجبتهُ، فقال: يا رب
اجْمَعْ بيني وبينَهُ صبحةً فأذِنَ له حتى أتَى إلى إدريسَ، فسألَهُ عن ذلك
فأخبرَهُ أنه دعا له شفقةً عليهِ، ثُم حملَهُ مَلَكُ الشمسِ على جناحهِ،
ورفعه إلى السَّماء بإذنِ الله تعالى).


{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ
مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا
تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ }؛ معناهُ: إن الذينَ ذكرتُهم
هم الذينَ أكرَمَهم اللهُ بالنبوَّة والإسلام من ذريَّة آدمَ، وإنَّما
قَرَنَ ذكرَ نَسَبهِمْ مع أنَّ كلَّهم كانوا لآدمَ لِيُبَيِّنَ مراتبَهم في
شرفِ النسب، فإنهُ كان لإدريسَ شرفُ القُرْب من آدمَ، وكان إبراهيمُ من
ذريَّة نوحٍ، وكان إسماعيل واسحاقُ من ذريَّة إبراهيمَ، وكان موسى وهارون
وزكريَّا ويحيى وعيسَى من ذريَّة إسرائيلَ، فقولهُ: { مِن ذُرِّيَّةِ
ءَادَمَ } يعني إدريسَ ونوح، { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ }؛ في
السفينةِ يعني إبراهيمَ؛ لأنه من ولدِ سَامِ بن نوحٍ، { وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ }؛ يعني إسماعيلَ وإسحاق ويعقوبَ، وقوله، { وَإِسْرَائِيلَ }؛
يعني أنَّ من ذريَّة إسرائيل: موسَى وهارون ومَن ذكرناهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ }؛ أي هؤلاء
كانوا مِمَّن أرشدنا واصطفينا لإداءِ الرِّسالة، { إِذَا تُتْلَىٰ
عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ }؛ التي أُنزلت عليهم، { خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }؛ أي وَقَعُوا يسجدونَ للهِ تعالى، ويبكونَ من مخافةِ
الله، والسُّجَّدُ: جمعُ ساجدٍ، والبُكِيُّ جمعُ بَاكٍ.








من تفسير في ظلال القرآن للمرحوم سيد قطب :




{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } *

{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } *

{ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبيا. ورفعناه مكاناً عليا }.


ولا نملك نحن تحديد زمان إدريس. ولكن الأرجح أنه سابق على إبراهيم وليس من
أنبياء بني إسرائيل فلم يرد ذكره في كتبهم. والقرآن يصفه بأنه كان صديقاً
نبياً ويسجل له أن الله رفعه مكاناً عليا. فأعلى قدره ورفع ذكره..


وهناك رأي نذكره لمجرد الاستئناس به ولا نقرره أو ننفيه، ويقول به بعض
الباحثين في الآثار المصرية، وهو أن إدريس تعريب لكلمة " أوزريس " المصرية
القديمة. كما أن يحيى تعريب لكلمة يوحنا. وكلمة اليسع تعريب لكلمة إليشع..
وأنه هو الذي صيغت حوله أساطير كثيرة. فهم يعتقدون أنه صعد إلى السماء وصار
له فيها عرش عظيم. وكل من وزنت أعماله بعد الموت فوجدت حسناته ترجح سيئاته
فإنه يلحق بأوزريس الذي جعلوه إلهاً لهم. وقد علمهم العلوم والمعارف قبل
صعوده إلى السماء.

وعلى أية حال فنحن نكتفي بما جاء عنه في القرآن الكريم؛ ونرجح أنه سابق على أنبياء بني إسرائيل.








من تفسير زاد المسير في علم التفسير للإمام ابن الجوزي :


* {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }

قوله تعالى: { ورفعناه مكاناً عَلِيّاً } فيه أربعة أقوال.


أحدها: أنه في السماء الرابعة، روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث
مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه رأى
إِدريس في السماء الرابعة، وبهذا قال أبو سعيد الخدريّ، ومجاهد، وأبو
العالية.

والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك.

والثالث: أنه في الجنة، قاله زيد بن أسلم، وهذا يرجع إِلى الأول، لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة.

والرابع: أنه في السماء السابعة، حكاه أبو سليمان الدمشقي.

وفي سبب صعوده إِلى السماء ثلاثة أقوال.

أحدها:

أنه كان يصعد له من العمل مِثْلُ ما يصعد لجميع بني آدم، فأحبَّه مَلَك
الموت، فاستأذن اللهَ في خُلَّته، فأذن له، فهبط إِليه في صورة آدمي، وكان
يصحبه فلما عرفه، قال إِنِّي أسألك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تذيقني الموت،
فلعلِّي أعلم ما شدَّته فأكون له أشدّ استعداداً؛ فأوحى الله إِليه أن اقبض
روحه ساعةً ثم أَرْسِله، ففعل، ثم قال: كيف رأيتَ؟ قال: كان أشدَّ مما
بلغني عنه، وإِني أُحب أن تريَني النار، قال: فحمله، فأراه إِيّاها؛ قال:
إِني أُحِبُّ أن تريَني الجنة، فأراه إِياها، فلما دخلها وطاف فيها، قال له
ملك الموت: اخرج، فقال: والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يُخرجني؛ فبعث
الله مَلَكاً فحكم بينهما، فقال: ما تقول يا مَلَك الموت؟ فقصَّ عليه ما
جرى؛ فقال: ما تقول يا إِدريس؟ قال: إِن الله تعالى قال:
{ كُلُّ نَفْس ذائقة الموت }
[آل عمران: 185]، وقد ذُقْتُه، وقال:
{ وإِن منكم إِلا واردها }
[مريم: 71]، وقد وردتُها، وقال لأهل الجنة:
{ وما هم منها بمُخْرَجِين }
[الحجر: 48]، فوالله لا أخرج حتى يكون الله يُخرجني؛ فسمع هاتفاً من فوقه
يقول: باذني دخل، وبأمري فعل، فخلِّ سبيله؛ هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم
مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن سأل سائل فقال: من أين لإِدريس هذه الآيات، وهي في كتابنا؟! فقد ذكر
ابن الأنباري عن بعض العلماء، قال: كان الله تعالى قد أعلم إِدريس بما ذكر
في القرآن من وجوب الورود، وامتناع الخروج من الجنة، وغير ذلك، فقال ما
قاله بعلم.


والثاني:
أن ملَكاً من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إِلى إِدريس، فأذن له، فلما عرفه
إِدريس، قال: هل بينك وبين ملك الموت قرابة؟ قال: ذاك أخي من الملائكة،
قال: هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت؟ قال سأكلِّمه فيك، فيرفق بك، اركب
ببن جناحيّ، فركب إِدريس، فصعد به إِلى السماء، فلقي ملك الموت، فقال: إِن
لي إِليك حاجة، قال: أعلم ما حاجتك، تكلِّمني في إِدريس وقد محي اسمه من
الصحيفة ولم يبق من أَجَله إِلا نصف طرفة عين؟! فمات إِدريس بين جناحي
الملَك، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال أبو صالح عن ابن عباس: فقبض ملك
الموت روح إِدريس في السماء السادسة.


والثالث:
أن إِدريس مشى يوماً في الشمس، فأصابه وهجها، فقال: اللهم خفِّف ثقلها
عمَّن يحملها، يعني به الملك الموكَّل بالشمس، فلما أصبح الملك وجد من خفة
الشمس وحرِّها مالا يعرف، فسأل الله عز وجل عن ذلك، فقال: إِن عبدي إِدريس
سألني أن أُخفِّف عنكَ حِملها وحرَّها، فأجبْتُه، فقال: يا رب اجمع بيني
وبينه، واجعل بيننا خُلَّة، فأَذِن له، [فأتاه]، فكان مما قال له إِدريس:
اشفع لي إِلى ملك الموت ليؤخِّر أجَلي، فقال: إِن الله لا يؤخِّر نفساً
إِذا جاء أَجَلُها، ولكن أُكلِّمه فيك، فما كان مستطيعاً أن يفعل بأحد من
بني آدم فعل بك، ثم حمله الملك على جناحه، فرفعه إِلى السماء، فوضعه عند
مطلع الشمس، ثم أتى ملكَ الموت فقال: إِن لي إِليك حاجة صديق لي من بني آدم
تشفَّعَ بي إِليك لتؤخِّر أجَلَه، قال: ليس ذاك إِليَّ، ولكن إِن أحببتَ
أعلمتُه متى يموت، فنظر في ديوانه، فقال: إِنك كلمتني في إِنسان ما أراه
يموت أبداً، ولا أجده يموت إِلا عند مطلع الشمس، فقال: إِني أتيتك وتركته
هناك، قال: انطلق، فما أراك تجده إِلا ميتاً، فوالله ما بقي من أجله شيء،
فرجع الملك فرآه ميتاً. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وكعب في آخرين. فهذا
القول والذي قبله يدلاّن على أنه ميت، والقول الأول يدل على أنه حيّ





من تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للإمام البقاعي :


{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } *

{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } *
{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ
مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا
تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }
* {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً }

ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حياً إلى أعلى مكان في الأرض
رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام - مع رفعته إلى
المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم
النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة،
وأعجبهم أمراً، وأقدمهم زمناً، ختم به هذه القصص تأييداً لهذا النبي
الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه،
وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما
يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة
من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيباً للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع
فيهم السلاح كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال: { واذكر في
الكتاب } أي الجامع لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين {
إدريس } أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زماناً، وأخفى منهم شأناً،
وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة { إنه كان
صديقاً } أي صادقاً في أقواله وأفعاله، ومصدقاً بما أتاه عن الله من آياته
على ألسنة الملائكة { نبياً * } ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر
العظيم، رفعة لقدره، فينبىء به الناس الذين أرسل إليهم { ورفعناه } جزاء
منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه { مكاناً علياً * }
أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها
ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف: وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام
الله فرفعه إليه - انتهى. وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جداً وقابلتها
مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو
القارىء ما نصه: وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، فأرضى
حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، وفي نسخة أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى:
لأن الله أخذه. وهو قريب مما قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما
نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن
المراد الجنة

ما في مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط
والأصغر إن لم يكن موضوعاً: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن
خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم
عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال:


" إن إدريس عليه السلام كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار،
فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت
بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر كاليوم قط، ثم
انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! قد رأيتها، قال:
إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! لا أخرج منها بعد
إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن
يخرج منها".


وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين:
إبراهيم المصيصي متروك. قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن
حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس
التسوية.

وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه
ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه
من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد
وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل
الجنة - يعني: فخلِّ سبيله - فهو حي هناك.


وفي تفسير البغوي أيضاً عن كعب وغيره
أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب!
فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب
فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل
ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا
مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت
وكلمه فقال: ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيتقدم في نفسه، قال:
نعم! فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال:
وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته
هناك، قال: انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس -
عليه السلام - شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً.

ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدريس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في
البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان،
وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن
عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


" أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام "


ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام ".


ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع سبحانه
ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزاً لمن وافقهم في النسب إلى
الموافقة في السبب فقال: { أولئك } أي العالو الرتب، الشرفاء النسب { الذين
أنعم الله } بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم عليه السلام وهم في
ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس، ونجى بها
نوحاً عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام
وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل
عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى
كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك
من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء { عليهم } بما خصهم به من مزيد
القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ وبين الموصول بقوله: { من النبيين } أي
المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم،
وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم.

ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك
من النعمة عليهم وهم يرونها: { من ذرية ءادم } صفينا أبي البشر الذي خلقه
الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك.

ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا
يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيراً إلى أعظم النعمة عليهم
بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام
الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولاً فكذلك هو وإبراهيم أقربهم
إلى ذلك: { وممن حملنا مع نوح } صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل
الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكوراً، وإبراهيم
أقربهم إلى ذلك { ومن ذرية إبراهيم } خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد
ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب {
وإسراءيل } صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم
بنت داود - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلاً وهم من
ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي
هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال
من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة،
وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة،
يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة { وممن هدينا } إلى أقوم الطرق {
واجتبينا } أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من
النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها
إلخ التفسير.

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 10:05 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:33 pm

إدريس في كتب التفسير :





من تفسير خواطر إيمانية للإمام محمد متولي الشعراوي الدقادوسي :



{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً }

ما زال القرآن يعطينا لقطاتٍ من موكب الرسالات والنبوات. وإدريس عليه
السلام أوّل نبي بعد آدم عليه السلام، فهو إدريس بن شيث بن آدم. وبعد إدريس
جاء نوح ثم إبراهيم، ومنه جاءت سلسلة النبوات المختلفة.
وقوله: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } [مريم: 56].

صِدّيق: من مادة صدق، ومعناها: تكلّم بواقع؛ لأن الكذب أنْ يتكلّم بغير
واقع. وهذا يُسمَّى: صادق في ذاته، أما قولنا: صِدِّيق أي: مبالغة في
الصدق، فقد بلغ الغاية في تصديق ما يأتي من الحق تبارك وتعالى، فهو يطيع
ويُذعِن ولا يناقش، كما رأينا من أم موسى ـ عليه السلام ـ لما قال لها الحق
سبحانه:
{ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ }
[القصص: 7].

بالله، أي أم يمكن أن تُصدِّق هذا الكلام، وتنصاع لهذا الأمر؟ وكيف تُنجِّي ولدها من شر أو موت مظنون بموت مُحقَّق؟

إذن: فهذا كلام لا يُصدَّق، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس، أما في موكب
الرسالات فالأمر مختلف، فساعة أنْ سمعتْ أم موسى هذا النداء لم يساورها
خاطر مخالف لأمر الله، ولم يراودها شَكٌّ فيه؛ لأن وارد الله عند هؤلاء
القوم لا يُعارض بوارد الشيطان أبداً، وهذه قضية مُسلَّمة عند الرسل.

إذن: الصِّدِّيق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق، فيورثه الله شفافية
وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويُميّزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر
ودون بحث وتدقيق في المسألة؛ لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يُبدّد عندك
غيامات الشك، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزنُ به الأشياء، كما قال سبحانه:
{ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً }[الأنفال: 29].

ومن هنا سُمِّي أبو بكر رضي الله عنه صِدِّيقاً، ليس لأنه صادق في ذاته، بل
لأنه يُصدِّق كل ما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لما
أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذَّب به كثيرون، ماذا قال؟ قال: " إنْ
كان قال فقد صدق ".

فالأمر عنده متوقف على مجرد قول رسول الله، فهذا هو الميزان عنده، وطالما
أن رسول الله قد قال فهو صادق، هكذا دون جدال، ودون مناقشة، ودون بَحْث في
ملابسات هذه المسألة؛ لذلك من يومها وهو صِدِّيق عن جدارة.

والسيدة مريم قال عنها الحق تبارك وتعالى:
{ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ }
[المائدة: 75] فسماها صديقة؛ لأنها صدَّقتْ ساعة أنْ قال لها الملَك:
{ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً }
[مريم: 19].

فوثقتْ بهذه البشارة، وأخذتْها على أنها حقيقة واقعة، فلما جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم.

إذن: فالصِّديق ليس هو الذي يَصدُق، بل الذي يُصدِّق. وهكذا كان خليل الله
إبراهيم (صديقاً) وكان أيضاً (نبياً) لأن الإنسان قد يكون صديقاً يعطيه
الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبياً، كما كانت مريم صِدِّيقة
وأبو بكر صِدِّيقاً، فهذه إذن صفة ذاتية إشراقية من الله، أما النبوة فهي
عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهُدى يأتي من السماء يحمل النبي مسئوليته؟
فالصِّدِّيق هو الذي يبالغ في تصديق ما جاءه من الحق، فيجعل الله له بذلك
فُرْقاناً وإشراقاً يُميّز به الحق فلا يتصادم معه شيطان؛ لأن الشيطان قد
ينفذ إلى عقلي وعقلك.
أما الوارد من الحق سبحانه وتعالى فلا يستطيع الشيطان أن يعارضه أو يدخل
فيه، لذلك فالصِّدِّيق وإن لم يكُنْ نبياً فهو مُلْحقِ بالأنبياء والشهداء،
كما قال تعالى:
{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ
أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ
وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً }
[النساء: 69].
وكذلك كان إدريس عليه السلام (نبياً) ولم يقُلْ: رسولاً نبياً، لأن بينه
وبين آدم عليه السلام جيلين، فكانت الرسالة لآدم ما زالت قائمة.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }
{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }
مكاناً عالياً في السماء، رِفْعه معنوية، أو رِفْعة حِسّية، خُذْها كما
شئتَ، لكن إياك أنْ تجادل: كيف رفعه؟ لأن الرِّفْعة من الله تعالى، والذي
خلقه هو الذي رفعه.
ثم يقول الحق سبحانه: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم }
{ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح }
قوله تعالى: { أُولَـٰئِكَ } [مريم: 58] أي: الذين تقدَّموا وسبق الحديث
عنهم من الأنبياء والرسل { مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ } [مريم: 58] أي: مباشرة
مثل إدريس عليه السلام { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } [مريم: 58]
الذين جاءوا بعد إدريس مباشرة { وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ } [مريم:
58] أي: الذين جاءوا بعد نوح.

وقد انقسموا إلى فرعين من ذرية إبراهيم.

الأول: فرع إسحق الذي جاء منه جمهرة النبوة، بداية من يعقوب، ثم يوسف، ثم
موسى وهارون، ثم داود وسليمان، ثم زكريا ويحيى، ثم ذو الكفل، ثم أيوب، ثم
النون.

والفرع الآخر: فرع إسماعيل عليه السلام الذي جاء منه جماع جواهر النبوة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.





من تفسير التحرير و التنوير لأبن عاشور التونسي :


{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }

إدريس: اسم جعل علماً على جد أبي نوح، وهو المسمى في التوراة (أُخنُوخ).
فنوح هو ابن لامك بن متُوشالح بن أُخنوخ، فلعل اسمه عند نسّابي العرب
إدريس، أو أن القرآن سماه بذلك اسماً مشتقاً من الدرس لما سيأتي قريباً.
واسمه (هرمس) عند اليونان، ويُزعم أنه كذلك يسمى عند المصريين القدماء،
والصحيح أن اسمه عند المصريين (تُوت) أو (تحُوتي) أو (تهوتي) لهجات في
النطق باسمه.

وذكر ابن العِبْري في «تاريخه»: «أن إدريس كان يلقب عند قدماء اليونان
(طريسمجيسطيس)، ومعناه بلسانهم ثلاثي التعليم، لأنه كان يصف الله تعالى
بثلاث صفات ذاتية وهي الوجود والحكمة والحياة» اهــــ.

ولا يخفى قرب الحروف الأولى في هذا الاسم من حروف إدريس، فلعل العرب اختصروا الاسم لطوله فاقتصروا على أوله مع تغيير.

وكان إدريس نبيئاً، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين «وسار أُخنوخ مع
الله». قيل: هو أول من وضع للبشر عمارة المدن، وقواعد العلم، وقواعد
التربية، وأول من وضع الخط، وعلّم الحساب بالنجوم وقواعدَ سير الكواكب،
وتركيب البسائط بالنّار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه، وأوّل من علم
الناس الخياطة. فكان هو مبدأ من وضع العلوم، والحضارة، والنظم العقليّة.

فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنّه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب
للأعلام العجميّة، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية، كما منع
إبليس من الصرف، وكما منع طالوت من الصرف.

والصديق بتشديد الدال صيغة مبالغة في الاتصاف، مثل الملك الضّليل لقب امرىء
القيس، وقولهم: رجل مِسيّك: أي شحيح، ومنه طعام حرّيف، ويقال: دليل
خِرّيت، إذا كان ذا حذق بالطرق الخفية في المفاوز، مشتقاً من الخَرت وهو
ثقب الشيء كأنه يثقب المسدودات ببصره. وتقدم في قوله تعالى:
{ يوسف أيها الصديق }
[يوسف: 46]. وصف.. بالصدّيق لفرط صدقه في امتثال ما يكلفه الله تعالى لا
يصده عن ذلك ما قد يكون عذراً للمكلف ..فالصدق هنا بمعنى بلوغ نهاية الصفة
في الموصوف بها، كما في قول تأبّط شرّاً:
إني لمهد من ثنائي فقاصد *** به لابن عم الصدق شمس بن مالك

وتأكيد هذا الخبر بحرف التوكيد وبإقحام فعل الكون للاهتمام بتحقيقه زيادة في الثناء عليه.

وجملة { إنّه كان صديقاً نبيا } واقعة موقع التعليل للاهتمام بذكره في التلاوة، وهذه الجملة معترضة بين المبدل منه والبدل

والنبي: فعيل بمعنى مفعول، من أنبأه بالخبر. والمراد هنا أنه منبّأ من جانب
الله تعالى بالوحي. والأكثر أن يكون النبي مرسلاً للتبليغ، وهو معنى شرعي،
فالنبي فيه حقيقة عرفية. وتقدم في سورة البقرة (246) عند قوله:
{ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً }
وقرأ الجمهور { نبيّا } بياء مشددة بتخفيف الهمزة ياء لثقلها ولمناسبة الكسرة
وقرأه نافع وحده (نبيئاً) بهمزة آخره، وبذلك تصير الفاصلة القرآنية على حرف الألف، ومثل تلك الفاصلة كثير في فواصل القرآن.

وقوله { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }
قال جماعة من المفسرين : هو رفع مجازي. والمراد: رفع المنزلة، لما أوتيه من
العلم الذي فاق به على من سلفه. ونقل هذا عن الحسن.وقال به أبو مسلم
الأصفهاني.
وقال جماعة: هو رفع حقيقي إلى السماء، وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين
«وسار أخنوخ مع الله ولم يُوجد لأنّ الله أخذه»، وعلى هذا فرفعه مثل رفع
عيسى - عليه السلام -. والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروْحنة جثته. ومما
يذكر عنه أنّه بقي ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تَرَوْحَن، فرفع.
وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره
وجدوا في السماوات. ووقع في حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبي - صلى
الله عليه وسلم - إلى السماوات أنه وجد إدريس - عليه السلام - في السماء
وأنه لمّا سلّم عليه قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فأخذ منه أنّ
إدريس - عليه السلام - لم تكن له ولادةٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم -
لأنّه لم يقل له والابن الصالح، ولا دليل في ذلك لأنه قد يكون قال ذلك
اعتباراً بأخوّة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته.


على أنّه يجوز أن يكون ذلك سهواً من الراوي فإن تلك الكلمة لم تثبت في حديث
جابر بن عبدالله في «صحيح البخاري». وقد جزم البخاري في أحاديث الأنبياء
بأن إدريس جد نوح أو جدّ أبيه. وذلك يدلّ على أنّه لم ير في قوله «مرحباً
بالأخ الصالح» ما يُنافي أن يكون أباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -.







من التفسير الكبير للطبراني :


{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقاً نَّبِيَّاً }؛ اسمُ ادريسَ أخْنُوخَ، وهو جدُّ أبي نوحٍ، وسُمي
إدريس لكثرةِ دَرْسِهِ الكتبَ، وكان خَيَّاطاً وهو أولُ من خطَّ بالقلمِ،
وهو أولُ من خاطَ الثيابَ ولبس المخيطَ، وأولُ من نَظرَ في علمِ النُّجوم
والحساب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } أنزلت عليه
ثلاثونَ صحيفةً، وهو أولُ من لَبسَ القطنَ، وكانوا قَبْلَ ذلك يلبسونَ جلود
الضَّأْنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } رُوي
عن أنسِ بن مالك، وأبي سعيدٍ الخدريِّ ومجاهد: (أنَّهُ رُفِعَ إلَى
السَّمَاءِ الرَّابعَةِ)، وقال ابنُ عبَّاس والضحَّاك: (إلَى السَّمَاءِ
السَّادِسَةِ). وَقِيْلَ: معناهُ: ورفعناهُ في العلمِ والنبوَّة إلى درجةٍ
عالية. وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " لَمَّا عُرِجَ بي
رَأيْتُ إدْريْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابعَةِ ".

وكان سببُ رفعهِ على قولِ ابنِ عبَّاس: (أنهُ سارَ ذات يومٍ في حاجتهِ
فأصابَهُ وَهَجُ الشمسِ، فقال: يا رب إنِّي مشيتُ يوماً واحداً، فكيفَ بمن
حملَها خمسمائةَ عامٍ في يوم واحد، اللَّهُمَّ خَفِّفْ عنهُ مِن ثقلِها
واحمِلْ عنهُ حرَّها، فلما أصبحَ الملكُ الْمُوَكَّلُ بها وجدَ خِفَّةً في
حرِّها بخلافِ ما يعرفُ، فقالَ: يا رب ما الذي قضيتَ؟ فقال: إنَّ عبدي
إدريسَ سألَني أن أخفِّفَ عنكَ حملَها وحرَّها فأجبتهُ، فقال: يا رب
اجْمَعْ بيني وبينَهُ صبحةً فأذِنَ له حتى أتَى إلى إدريسَ، فسألَهُ عن ذلك
فأخبرَهُ أنه دعا له شفقةً عليهِ، ثُم حملَهُ مَلَكُ الشمسِ على جناحهِ،
ورفعه إلى السَّماء بإذنِ الله تعالى).


{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ
مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا
تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ }؛ معناهُ: إن الذينَ ذكرتُهم
هم الذينَ أكرَمَهم اللهُ بالنبوَّة والإسلام من ذريَّة آدمَ، وإنَّما
قَرَنَ ذكرَ نَسَبهِمْ مع أنَّ كلَّهم كانوا لآدمَ لِيُبَيِّنَ مراتبَهم في
شرفِ النسب، فإنهُ كان لإدريسَ شرفُ القُرْب من آدمَ، وكان إبراهيمُ من
ذريَّة نوحٍ، وكان إسماعيل واسحاقُ من ذريَّة إبراهيمَ، وكان موسى وهارون
وزكريَّا ويحيى وعيسَى من ذريَّة إسرائيلَ، فقولهُ: { مِن ذُرِّيَّةِ
ءَادَمَ } يعني إدريسَ ونوح، { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ }؛ في
السفينةِ يعني إبراهيمَ؛ لأنه من ولدِ سَامِ بن نوحٍ، { وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ }؛ يعني إسماعيلَ وإسحاق ويعقوبَ، وقوله، { وَإِسْرَائِيلَ }؛
يعني أنَّ من ذريَّة إسرائيل: موسَى وهارون ومَن ذكرناهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ }؛ أي هؤلاء
كانوا مِمَّن أرشدنا واصطفينا لإداءِ الرِّسالة، { إِذَا تُتْلَىٰ
عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ }؛ التي أُنزلت عليهم، { خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }؛ أي وَقَعُوا يسجدونَ للهِ تعالى، ويبكونَ من مخافةِ
الله، والسُّجَّدُ: جمعُ ساجدٍ، والبُكِيُّ جمعُ بَاكٍ.








من تفسير في ظلال القرآن للمرحوم سيد قطب :




{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } *

{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } *

{ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبيا. ورفعناه مكاناً عليا }.


ولا نملك نحن تحديد زمان إدريس. ولكن الأرجح أنه سابق على إبراهيم وليس من
أنبياء بني إسرائيل فلم يرد ذكره في كتبهم. والقرآن يصفه بأنه كان صديقاً
نبياً ويسجل له أن الله رفعه مكاناً عليا. فأعلى قدره ورفع ذكره..


وهناك رأي نذكره لمجرد الاستئناس به ولا نقرره أو ننفيه، ويقول به بعض
الباحثين في الآثار المصرية، وهو أن إدريس تعريب لكلمة " أوزريس " المصرية
القديمة. كما أن يحيى تعريب لكلمة يوحنا. وكلمة اليسع تعريب لكلمة إليشع..
وأنه هو الذي صيغت حوله أساطير كثيرة. فهم يعتقدون أنه صعد إلى السماء وصار
له فيها عرش عظيم. وكل من وزنت أعماله بعد الموت فوجدت حسناته ترجح سيئاته
فإنه يلحق بأوزريس الذي جعلوه إلهاً لهم. وقد علمهم العلوم والمعارف قبل
صعوده إلى السماء.

وعلى أية حال فنحن نكتفي بما جاء عنه في القرآن الكريم؛ ونرجح أنه سابق على أنبياء بني إسرائيل.








من تفسير زاد المسير في علم التفسير للإمام ابن الجوزي :


* {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }

قوله تعالى: { ورفعناه مكاناً عَلِيّاً } فيه أربعة أقوال.


أحدها: أنه في السماء الرابعة، روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث
مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه رأى
إِدريس في السماء الرابعة، وبهذا قال أبو سعيد الخدريّ، ومجاهد، وأبو
العالية.

والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك.

والثالث: أنه في الجنة، قاله زيد بن أسلم، وهذا يرجع إِلى الأول، لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة.

والرابع: أنه في السماء السابعة، حكاه أبو سليمان الدمشقي.

وفي سبب صعوده إِلى السماء ثلاثة أقوال.

أحدها:

أنه كان يصعد له من العمل مِثْلُ ما يصعد لجميع بني آدم، فأحبَّه مَلَك
الموت، فاستأذن اللهَ في خُلَّته، فأذن له، فهبط إِليه في صورة آدمي، وكان
يصحبه فلما عرفه، قال إِنِّي أسألك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تذيقني الموت،
فلعلِّي أعلم ما شدَّته فأكون له أشدّ استعداداً؛ فأوحى الله إِليه أن اقبض
روحه ساعةً ثم أَرْسِله، ففعل، ثم قال: كيف رأيتَ؟ قال: كان أشدَّ مما
بلغني عنه، وإِني أُحب أن تريَني النار، قال: فحمله، فأراه إِيّاها؛ قال:
إِني أُحِبُّ أن تريَني الجنة، فأراه إِياها، فلما دخلها وطاف فيها، قال له
ملك الموت: اخرج، فقال: والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يُخرجني؛ فبعث
الله مَلَكاً فحكم بينهما، فقال: ما تقول يا مَلَك الموت؟ فقصَّ عليه ما
جرى؛ فقال: ما تقول يا إِدريس؟ قال: إِن الله تعالى قال:
{ كُلُّ نَفْس ذائقة الموت }
[آل عمران: 185]، وقد ذُقْتُه، وقال:
{ وإِن منكم إِلا واردها }
[مريم: 71]، وقد وردتُها، وقال لأهل الجنة:
{ وما هم منها بمُخْرَجِين }
[الحجر: 48]، فوالله لا أخرج حتى يكون الله يُخرجني؛ فسمع هاتفاً من فوقه
يقول: باذني دخل، وبأمري فعل، فخلِّ سبيله؛ هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم
مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن سأل سائل فقال: من أين لإِدريس هذه الآيات، وهي في كتابنا؟! فقد ذكر
ابن الأنباري عن بعض العلماء، قال: كان الله تعالى قد أعلم إِدريس بما ذكر
في القرآن من وجوب الورود، وامتناع الخروج من الجنة، وغير ذلك، فقال ما
قاله بعلم.


والثاني:
أن ملَكاً من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إِلى إِدريس، فأذن له، فلما عرفه
إِدريس، قال: هل بينك وبين ملك الموت قرابة؟ قال: ذاك أخي من الملائكة،
قال: هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت؟ قال سأكلِّمه فيك، فيرفق بك، اركب
ببن جناحيّ، فركب إِدريس، فصعد به إِلى السماء، فلقي ملك الموت، فقال: إِن
لي إِليك حاجة، قال: أعلم ما حاجتك، تكلِّمني في إِدريس وقد محي اسمه من
الصحيفة ولم يبق من أَجَله إِلا نصف طرفة عين؟! فمات إِدريس بين جناحي
الملَك، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال أبو صالح عن ابن عباس: فقبض ملك
الموت روح إِدريس في السماء السادسة.


والثالث:
أن إِدريس مشى يوماً في الشمس، فأصابه وهجها، فقال: اللهم خفِّف ثقلها
عمَّن يحملها، يعني به الملك الموكَّل بالشمس، فلما أصبح الملك وجد من خفة
الشمس وحرِّها مالا يعرف، فسأل الله عز وجل عن ذلك، فقال: إِن عبدي إِدريس
سألني أن أُخفِّف عنكَ حِملها وحرَّها، فأجبْتُه، فقال: يا رب اجمع بيني
وبينه، واجعل بيننا خُلَّة، فأَذِن له، [فأتاه]، فكان مما قال له إِدريس:
اشفع لي إِلى ملك الموت ليؤخِّر أجَلي، فقال: إِن الله لا يؤخِّر نفساً
إِذا جاء أَجَلُها، ولكن أُكلِّمه فيك، فما كان مستطيعاً أن يفعل بأحد من
بني آدم فعل بك، ثم حمله الملك على جناحه، فرفعه إِلى السماء، فوضعه عند
مطلع الشمس، ثم أتى ملكَ الموت فقال: إِن لي إِليك حاجة صديق لي من بني آدم
تشفَّعَ بي إِليك لتؤخِّر أجَلَه، قال: ليس ذاك إِليَّ، ولكن إِن أحببتَ
أعلمتُه متى يموت، فنظر في ديوانه، فقال: إِنك كلمتني في إِنسان ما أراه
يموت أبداً، ولا أجده يموت إِلا عند مطلع الشمس، فقال: إِني أتيتك وتركته
هناك، قال: انطلق، فما أراك تجده إِلا ميتاً، فوالله ما بقي من أجله شيء،
فرجع الملك فرآه ميتاً. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وكعب في آخرين. فهذا
القول والذي قبله يدلاّن على أنه ميت، والقول الأول يدل على أنه حيّ





من تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للإمام البقاعي :


{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } *

{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } *
{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ
مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا
تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }
* {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً }

ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حياً إلى أعلى مكان في الأرض
رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام - مع رفعته إلى
المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم
النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة،
وأعجبهم أمراً، وأقدمهم زمناً، ختم به هذه القصص تأييداً لهذا النبي
الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه،
وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما
يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة
من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيباً للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع
فيهم السلاح كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال: { واذكر في
الكتاب } أي الجامع لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين {
إدريس } أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زماناً، وأخفى منهم شأناً،
وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة { إنه كان
صديقاً } أي صادقاً في أقواله وأفعاله، ومصدقاً بما أتاه عن الله من آياته
على ألسنة الملائكة { نبياً * } ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر
العظيم، رفعة لقدره، فينبىء به الناس الذين أرسل إليهم { ورفعناه } جزاء
منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه { مكاناً علياً * }
أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها
ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف: وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام
الله فرفعه إليه - انتهى. وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جداً وقابلتها
مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو
القارىء ما نصه: وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، فأرضى
حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، وفي نسخة أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى:
لأن الله أخذه. وهو قريب مما قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما
نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن
المراد الجنة

ما في مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط
والأصغر إن لم يكن موضوعاً: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن
خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم
عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال:


" إن إدريس عليه السلام كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار،
فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت
بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر كاليوم قط، ثم
انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! قد رأيتها، قال:
إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! لا أخرج منها بعد
إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن
يخرج منها".


وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين:
إبراهيم المصيصي متروك. قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن
حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس
التسوية.

وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه
ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه
من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد
وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل
الجنة - يعني: فخلِّ سبيله - فهو حي هناك.


وفي تفسير البغوي أيضاً عن كعب وغيره
أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب!
فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب
فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل
ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا
مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت
وكلمه فقال: ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيتقدم في نفسه، قال:
نعم! فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال:
وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته
هناك، قال: انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس -
عليه السلام - شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً.

ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدريس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في
البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان،
وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن
عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:


" أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام "


ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام ".


ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع سبحانه
ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزاً لمن وافقهم في النسب إلى
الموافقة في السبب فقال: { أولئك } أي العالو الرتب، الشرفاء النسب { الذين
أنعم الله } بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم عليه السلام وهم في
ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس، ونجى بها
نوحاً عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام
وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل
عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى
كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك
من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء { عليهم } بما خصهم به من مزيد
القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ وبين الموصول بقوله: { من النبيين } أي
المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم،
وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم.

ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك
من النعمة عليهم وهم يرونها: { من ذرية ءادم } صفينا أبي البشر الذي خلقه
الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك.

ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا
يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيراً إلى أعظم النعمة عليهم
بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام
الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولاً فكذلك هو وإبراهيم أقربهم
إلى ذلك: { وممن حملنا مع نوح } صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل
الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكوراً، وإبراهيم
أقربهم إلى ذلك { ومن ذرية إبراهيم } خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد
ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب {
وإسراءيل } صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم
بنت داود - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلاً وهم من
ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي
هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال
من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة،
وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة،
يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة { وممن هدينا } إلى أقوم الطرق {
واجتبينا } أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من
النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها
إلخ التفسير.

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 10:13 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:35 pm

من تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي :



{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }


أخرج الحكم عن سمرة قال: كان إدريس أبيض طويلاً ضخم البطن عريض الصدر قليل
شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدى عينيه أعظم من الأخرى، وكانت في صدره
نكتة بيضاء من غير برص، فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم
واعتدائهم في أمر الله، رفعه الله إلى السماء السادسة، فهو حيث يقول {
ورفعناه مكاناً علياً}.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن إدريس أقدم من نوح،
بعثه الله إلى قومه، فأمرهم الله أن يقولوا لا إله إلا الله، ويعملوا بما
شاء، فأبوا، فأهلكهم الله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: { ورفعناه مكاناً علياً } قال:
كان إدريس خياطاً. وكان لا يغرز إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي
وليس في الأرض أحد أفضل منه عملاً، فاستأذن ملك من الملائكة ربه، فقال يا
رب ائذن لي فاهبط إلى إدريس. فأذن له، فأتى إدريس فسلم عليه، وقال: إني
جئتك لأحدثك، فقال: كيف تحدثني وأنت ملك وأنا إنسان، ثم قال إدريس هل بينك
وبين ملك الموت شيء؟ قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، فقال: هل يستطيع أن
ينسئني عند الموت؟ قال: أما أن يؤخر شيئاً أو يُقّدِّمَهُ فلا، ولكن سأكلمه
لك، فيرفق بك عند الموت، فقال: اركب بين جناحي، فركب إدريس، فصعد إلى
السماء العليا، فلقي ملك الموت إدريس بين جناحيه، فقال له الملك إن لي إليك
حاجة، قال: علمت حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة، ولم يبق
من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي الملك.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: سألت كعباً
عن رفع إدريس { مكاناً علياً } فقال: كان عبداً تقياً رفع له من العمل
الصالح ما رفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب الملك الذي كان يصعد عليه عمله،
فاستأذن ربه قال: رب، ائذن لي آتي عبدك هذا فأزوره، فأذن له، فنزل قال: يا
إدريس، أبشرْ، فإنه رفع لك من العمل الصالح ما لا رفع لأهل الأرض، قال: وما
علمك؟! قال إني ملك. قال: وإن كنت ملكاً؟ قال: فإني على الباب الذي يصعد
عليه عملك. قال: أفلا تشفع إلى ملك الموت، فيؤخر من أجلي لأزداد شكراً
وعبادة؟ قال الملك:
{ ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها }[المنافقون: 11]
قال: قد علمت، ولكنه أطيب لنفسي، فحمله الملك على جناحه، فصعد به إلى
السماء فقال: يا ملك الموت، هذا عبد تقي، نبي رفع له من العمل الصالح ما لا
يرفع لأهل الأرض، وإني أعجبني ذلك، فاستأذنت ربي عليه، فلما بشرته بذلك،
سألني لأشفع له إليك لتؤخر له من أجله؛ ليزداد شكراً وعبادة.
قال: ومن هذا؟ قال: إدريس، فنظر في كتاب معه حتى مر باسمه، فقال: والله ما بقي من أجل إدريس شيء، فمحاه، فمات مكانه.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: { ورفعناه مكاناً علياً } قال: رفع إلى السماء السادسة فمات فيها.

وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه، عن قتادة في قوله: { ورفعناه
مكاناً علياً } قال: حدثنا أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم
قال: " لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة ".

وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - " عن النبي صلى
الله عليه وسلم { ورفعناه مكاناً علياً } قال: "في السماء الرابعة "

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه، والربيع مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت.

وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إدريس هو إلياس.

وأخرج ابن المنذر، عن عمر مولى غفرة يرفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال: " " إن إدريس كان نبياً تقياً زكياً، وكان يقسم دهره على
نصفين: ثلاثة أيام يعلم الناس الخير، وأربعة أيام يسيح في الأرض، ويعبد
الله مجتهداً. وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من الخير مثل ما يصعد من
جميع أعمال بني آدم، وإن ملك الموت أحبه في الله، فأتاه حين خرج للسياحة
فقال له: يا نبي الله، إني أريد أن تأذن لي في صحبتك. فقال له إدريس - وهو
لا يعرفه - إنك لن تقوى على صحبتي. قال: بلى، إني أرجو أن يقويني الله على
ذلك، فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مر براعي غنم، فقال ملك
الموت لإدريس: يا نبي الله، إنا لا ندري حيث نمسي، فلو أخذنا جفرة من هذه
الغنم فأفطرنا عليها؟ فقال له إدريس: لا تعد إلى مثل هذا، تدعوني إلى أخذ
ما ليس لنا، من حيث نمسي يأتي الله برزق! فلما أمسى أتاه الله بالرزق الذي
كان يأتيه، فقال لملك الموت: تقدم فكل. فقال ملك الموت: لا والذي أكرمك
بالنبوة ما أشتهي. فأكل إدريس وقاما جميعاً إلى الصلاة، ففتر إدريس وكل ومل
ونعس، وملك الموت لا يفتر ولا يمل ولا ينعس، فعجب منه وقال: قد كنت أظن
أني أقوى الناس على العبادة فهذا أقوى مني! فصغرت عنده عبادته عندما رأى
منه. ثم أصبحا فساحاً، فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال ملك الموت
لإدريس: يا نبي الله، لو أخذنا قطفاً من هذا العنب لأنا لا ندري حيث نمسي.
فقال إدريس: ألم أنهك عن هذا وأنت حيث تمسي يأتينا الله برزق! فلما أمسى
أتاه الله الرزق الذي كان يأتيه فأكل إدريس، فقال لملك الموت هلم فكل.
فقال: لا والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله، لا أشتهي. فعجب! ثم قاما إلى
الصلاة ففتر إدريس أيضاً، وكل ومل، وملك الموت لا يكلّ ولا يفتر ولا ينعس.
فقال له عند ذلك إدريس: لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني آدم! فقال له ملك
الموت عنده ذلك: أجل لست من بني آدم. فقال له إدريس: فمن أنت؟ قال: أنا
ملك الموت. فقال له إدريس: أمرتَ فيَّ بأمر؟ فقال له: لو أمرت فيك بأمر ما
ناظرتك، ولكني أحبك في الله، وصحبتك له. فقال له إدريس: يا ملك الموت، إنك
معي ثلاثة أيام بلياليها لم تقبض روح أحد من الخلق؟ قال: بلى والذي أكرمك
بالنبوة يا نبي الله، إني معك من حين رأيت، وإني أقبض نفس من أمرت بقبض
نفسه في مشارق الأرض ومغاربها، وما الدنيا عندي إلا بمنزلة المائدة بين يدي
الرجل، يمد يده ليتناول منها ما شاء. فقال له إدريس: يا ملك الموت، أسألك
بالذي أحببتني له وفيه ألا قضيت لي حاجة أسألكها؟ فقال له ملك الموت: سلني
ما أحببت يا نبي الله. فقال: أحب أن تذيقني الموت، وتفرق بين روحي وجسدي
حتى أجد طعم الموت، ثم ترد إلي روحي. فقال له ملك الموت - عليه السلام -:
ما أقدر على ذلك، إلا أن استأذن فيه ربي، فقال له إدريس - عليه السلام -
فاستأذنه في ذلك. فعرج ملك الموت إلى ربه، فأذن له، فقبض نفسه وفرق بين
روحه وجسده، فلما سقط إدريس عليه السلام ميتاً، رد الله إليه روحه، وطفق
يمسح وجهه وهو يقول: يا نبي الله، ما كنت أريد أن يكون هذا حظك من صحبتي!
فلما أفاق، قال له ملك الموت: يا نبي الله، كيف وجدت؟ قال: يا ملك الموت،
قد كنت أحدث وأسمع، فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع! ثم قال: يا ملك
الموت، أريد منك حاجة أخرى قال: وما هي؟ قال: تريني النار حتى أنظر إلى
لمحة منها. فقال له ملك الموت: وما لك وللنار، إني لأرجو أن لا تراها، ولا
تكون من أهلها، قال: بلى أريد ذلك؛ ليكون أشد لرهبتي وخوفي منها! فانطلق
إلى باب من أبواب جهنم فنادى بعض خزنتها فأجابوه، وقالوا: من هذا؟ قال: أنا
ملك الموت - فارتعدت فرائصهم - قالوا: أمرت فينا بأمر؟ فقال: لو أمرت فيكم
بأمر ما ناظرتكم، ولكن نبي الله إدريس - عليه السلام - سألني أن تروه لمحة
من النار. ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه من حرها ولهبها وزفيرها ما
صعق! فقال ملك الموت: أغلقوا! فأغلقوا، فمسح ملك الموت وجهه وهو يقول: يا
نبي الله، ما كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي. فلما أفاق قال له ملك
الموت: يا نبي الله، كيف رأيت؟ قال: يا ملك الموت، كنت أحدث وأسمع، فإذا هو
أعظم مما كنت أحدث وأسمع! فقال له: يا ملك الموت، قد بقيت لي حاجة أخرى لم
يبق غيرها. قال: وما هي؟ قال: تريني لمحة من الجنة. قال له ملك الموت -
عليه السلام: يا نبي الله أبشر! فإنك إن شاء الله من خيار أهلها، وأنها إن
شاء الله مقيلك ومصيرك. فقال: يا ملك الموت، إني أحب أن أنظر إليها، ولعل
ذلك أن يكون أشد لشوقي وحرصي وطلبي! فذهب به إلى باب من أبواب الجنة، فنادى
بعض خزنتها فأجابوه، فقالوا: من هذا؟ قال: ملك الموت. فارتعدت فرائصهم،
وقالوا: أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء ما ناظرتكم، ولكن نبي
الله إدريس - عليه السلام - سأل أن ينظر إلى لمحة من الجنة فافتحوا. فلما
فتح أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال: يا ملك الموت، إني
أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها، وأشرب شربة من مائها، فلعل ذلك أن
يكون أشد لطلبتي ورغبتي وحرصي. فقال: ادخل. فدخل فأكل من ثمارها، وشرب من
مائها. فقال له ملك الموت، اخرج يا نبي الله، قد أصبت حاجتك حتى يردك الله
مع الأنبياء يوم القيامة. فاحتضن بساق شجرة من شجر الجنة وقال: ما أنا
بخارج منها، وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك. فأوحى الله إلى ملك الموت، قاضه
الخصومة. فقال له ملك الموت: ما الذي تخاصمني به يا نبي الله؟ فقال إدريس:
قال الله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } [آل عمران: 185] فقد ذقت الموت الذي
كتبه الله على خلقه مرة واحدة. وقال الله: { وإن منكم إلا واردها كان على
ربك حتماً مقضياً } [مريم: 71] وقد وردتها، أفأردها مرة بعد مرة؟ وإنما كتب
الله ورودها على خلقه مرة واحدة، وقال لأهل الجنة: { وما هم منها بمخرجين }
[الحجر: 48] أفأخرج من شيء ساقه الله إليّ؟ فأوحى الله إلى ملك الموت،
خصمك عبدي إدريس، وعزتي وجلالي: إن في سابق علمي قبل أن أخلقه أنه لا موت
عليه إلا الموتة التي ماتها، وأنه لا يرى جهنم إلا الورد الذي وردها، وأنه
يدخل الجنة في الساعة التي دخلها، وأنه ليس بخارج منها، فدعه يا ملك الموت،
فقد خصمك وإنه احتج عليك بحجة قوية. فلما قر قرار إدريس في الجنة، وألزمه
الله دخولها قبل الخلائق، عجب الملائكة إلى ربهم فقالوا: ربنا خلقتنا قبل
إدريس بكذا وكذا، ألف سنة، ولم نعصك طرفة عين، وإنما خلقت إدريس منذ أيام
قلائل، فأدخلته الجنة قبلنا؟ فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي، إنما خلقتكم
لعبادتي وتسبيحي وذكري، وجعلت فيها لذتكم، ولم أجعل لكم لذة في مطعم ولا
مشرب ولا في شيء سواها، وقوّيتكم عليها، وجعلت في الأرض الزينة والشهوات
واللذات والمعاصي والمحارم، وإنه اجتنب ذلك كله من أجلي، وآثر هواي على
هواه، ورضاي ومحبتي على رضاه ومحبته، فمن أراد منكم أن يدخل مدخل إدريس
فليهبط إلى الأرض، فليعبدني بعبادة إدريس، ويعمل بعمل إدريس، فإن عمل مثل
إدريس أدخله مدخل إدريس، وإن غير أو بدل استوجب مدخل الظالمين. فقالت
الملائكة: ربنا لا نطلب ثواباً، ولا تصيبنا بعقاب، رضينا بمكاننا منك يا
رب، وفضيلتك إيانا. وانتدب ثلاثة من الملائكة: هاروت وماروت، وملك آخر رضوا
به، فأوحى الله إليهم: " أما إذا اجتمعتم على هذا فاحذروا إن نفعكم الحذر،
فإني أنذركم، اعلموا أن أكبر الكبائر عندي أربع: - فما عملتم سواها غفرته
لكم، وإن عملتموها لم أغفر لكم ". قالوا وما هي؟ قال: أن لا تعبدوا صنماً
ولا تسفكوا دماً ولا تشربوا خمراً ولا تطؤوا محرماً. فهبطوا إلى الأرض على
ذلك، فكانوا في الأرض على مثل ما كان عليه إدريس: يقيمون أربعة أيام في
سياحتهم، وثلاثة أيام يعلمون الناس الخير، ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى
وطاعته. حتى ابتلاهم الله بالزهرة، وكانت من أجمل النساء. فلما نظروا إليها
افتتنوا بها - أراد الله ولما سبق عليهم في علمه مع خذلان الله إياهم -
فنسوا ما تقدم إليهم، فسألوها نفسها. قالت لهم: نعم. ولكن لي زوج لا أقدر
على ما تريدون مني إلا أن تقتلوه، وأكون لكم. فقال بعضهم لبعض: إنا قد
أمرنا أن لا نسفك دماً، ولا نطأ محرماً، ولكن نفعل هذا مع هذا، ثم نتوب من
هذا كله. فلما أحس الثالث بالفتنة، عصمه الله من ذلك كله بالسماء فدخلها
فنجا، وأقام هاروت وماروت لما كتب عليهما، فنشدا على زوجها فقتلاه. فلما
أراداها، قالت: لي صنم أعبده، وأنا أكره معصيته وخلافه، فإن أردتما، فاسجدا
له سجدة واحدة. فدعتهما الفتنة إلى ذلك، فقال أحدهما لصاحبه: إنا قد أمرنا
أن لا نسفك دماً ولا نطأ محرماً، ولكنا نفعله، ثم نتوب من جميعه، فسجدوا
لذلك الصنم. فلما أراداها قالت لهما: قد بقيت لي حاجة أخرى قالا: وما هي؟
قالت: لي شراب لا يطيب لي من العيش إلا به. قالا: وما هو؟ قالت: الخمر.
فدعتهما الفتنة إلى ذلك، فقال أحدهما لصاحبه: إنا قد أمرنا أن لا نشرب
خمراً فقال الآخر: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً، ولا نطأ محرماً، ولكنا
نفعله، ثم نتوب من جميعه. فشربا الخمر. فلما أراداها قالت: قد بقيت لي حاجة
أخرى. قالا: وما هي؟ قالت: تعلماني الذي تعرجان به إلى السماء. فعلماها
إياه، فلما تكلمت به عرجت إلى السماء، فلما انتهت إلى السماء مسخت نجماً،
فلما ابتليا بما ابتليا به، عرجا إلى السماء، فغلقت أبواب السماء دونهما،
وقيل لهما أن السماء لا يدخلها خطاء، فلما منعا من دخول السماء، وعلما
أنهما قد افتتنا وابتليا، عجا إلى الله بالدعاء والتضرع والإبتهال، فأوحى
الله إليهما: حل عليكما سخطي، ووجبت فيما تعرضتما، واستوجبتما، وقد كنتما
مع ملائكتي في طاعتي وعبادتي، حتى عصيتما فصرتما بذلك إلى ما صرتما إليه من
معصيتي وخلاف أمري، فاختارا إن شئتما عذاب الدنيا وإن شئتما عذاب الآخرة.
فعلما أن عذاب الدنيا وإن طال فمصيره إلى زوال، وأن عذاب الآخرة ليس له
زوال ولا انقطاع، فاختارا عذاب الدنيا، فهما ببابل معلقين منكوسين مقرنين
إلى يوم القيامة "



وأخرج ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند، عن بعض أصحابه قال: كان ملك
الموت صديقاً لإدريس عليه السلام، فقال له إدريس يوماً: يا ملك الموت، قال:
لبيك. قال: أمتني، فأرني كيف الموت؟ قال له ملك الموت: سبحان الله يا
إدريس!، إنما يفر أهل السموات والأرض من الموت، وتسألني أن أريك كيف الموت؟
قال: إني أحب أن أراه، فلما ألح عليه قال له: يا إدريس، أنا عبد مملوك
مثلك، وليس إليّ من الأمر شيء. قال: فصعد ملك الموت فقال: رب إن عبدك سألني
أن أريه الموت كيف هو؟ قال الله له: فأمته. فقال له ملك الموت: يا إدريس،
إنما يفر الخلق من الموت، قال: فأرني. فلما مات بقي ملك الموت لا يستطيع أن
يرد نفسه إليه، فقال: يا رب، قد ترى ما إدريس فيه؟ فرد الله إليه روحه،
فمكث ما شاء حياً، ثم قال يا ملك الموت: أدخلني الجنة فأنظر إليها؟ قال له:
يا إدريس، إنما أنا عبد مملوك مثلك ليس إليّ من الأمر شيء، فألح عليه فقال
ملك الموت: يا رب، إن عبدك إدريس قد ألح عليّ فسألني أن أدخله الجنة
فيراها؟ وقد قلت له: إنما أنا عبد مثلك، وليس إليّ من الأمر شيء. قال الله:
فأدخله الجنة قال: إن الله علم من إدريس ما لا أعلم أنا، فاحتمله ملك
الموت فأدخله الجنة، فكان فيها ما شاء الله، فقال له ملك الموت: اخرج بنا.
قال: لا. قال الله
:
{ أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى }[الصافات: 58]

وقال الله:
{ وما هم منها بمخرجين }
[الحجرات: 48]
وما أنا بخارج منها. قال ملك الموت: يا رب، قد تسمع ما يقول عبدك إدريس.

قال الله له: صدق عبدي هو أعلم منك، فاخرج منها ودعه فيها. فقال الله: { ورفعناه مكاناً علياً}.



وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان
صديقاً نبياً، ورفعناه مكاناً علياً } [مريم: 57 - 58] قال: كان إدريس أول
نبي بعثه الله في الأرض. وإنه كان يعمل فيرفع عمله مثل نصف أعمال الناس، ثم
إن ملكاً من الملائكة أحبه فسأل الله أن يأذن له فيأتيه، فأذن له فأتاه
فحدثه بكرامته على الله فقال: يا أيها الملك، أخبرني كم بقي من أجلي لعلي
أجتهد لله في العمل. قال: يا إدريس، لا يعلم هذا إلا الله. قال: فهل تستطيع
أن تصعد بي إلى السماء؟؛ فأنظر في ملك الله؛ فأجتهد لله في العمل. قال:
لا. إلا أن تشفع، فتشفع فأمر به، فحمله تحت جناحيه فصعد به حتى إذا بلغ
السماء السادسة، استقبل ملك الموت نازلاً من عند الله فقال: يا ملك الموت،
أين تريد؟ قال: أقبض نفس إدريس. قال: وأين أمرت أن تقبض نفسه؟ قال: في
السماء السادسة. فذهب الملك ينظر إلى إدريس، فإذا هو برجليه يخفقان قد مات،
فوضعه في السماء السادسة.



{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا
وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }




أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من
النبيين } قال: هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم. أما من ذرية آدم: فإدريس
ونوح، وأما من حمل مع نوح: فإبراهيم - وأما ذرية إبراهيم: فإسماعيل، وإسحق،
ويعقوب. وأما بني اسرئيل: فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى
.


وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: { واجتبينا } قال خلصنا.


وأخرج عبد بن حميد، عن قيس بن سعد قال: جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال:
{ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً }[مريم: 41]

{ واذكر في الكتاب إسماعيل }[مريم: 54]الآية
{ واذكر في الكتاب إدريس } الآية...
حتى بلغ { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين }
قال ابن عباس:
{ وذكرهم بأيام الله }
[إبراهيم: 5]
وأثن على من أثنى الله عليه.


وأخرج ابن أبي الدنيا في البكاء، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب
الإيمان عن عمر بن الخطاب: أنه قرأ سورة مريم فسجد، ثم قال: هذا السجود
فأين البكاء؟.

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 10:23 pm عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:36 pm

من تفسير الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي :



{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ
رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ
وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } * { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ
هَارُونَ نَبِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ
كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَكَانَ
يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ
مَرْضِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }


(بيان)

ذكر جمع آخرين من الأنبياء وشيء من موهبة الرحمة التي خصَّهم الله بها، وهم موسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليهم السلام .

...............إلى أن قال :

قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدِّيقاً نبياً } إلى آخر
الآيتين. قالوا: إن إدريس النبي كان اسمه أُخنوخ وهو من أجداد نوح عليهما
السلام على ما ذكر في سفر التكوين من التوراة، وإنما اشتهر بإدريس لكثرة
اشتغاله بالدرس.

وقوله: { ورفعناه مكاناً علياً } من الممكن أن يستفاد من سياق القصص
المسرودة في السورة وهي تعدّ مواهب النبوَّة والولاية وهي مقامات إلهية
معنوية أن المراد بالمكان العلي الذي رفع إليه درجة من درجات القرب إذ لا
مزيَّة في الارتفاع المادي والصعود إلى أقاصي الجو البعيدة أينما كان.

وقيل: إن المراد بذلك - كما ورد به الحديث - أن الله رفعه إلى بعض السماوات
وقبضه هناك، وفيه إراءة آية خارقة وقدرة إلهية بالغة وكفى بها مزيّة.

.............................إلى أن قال :


(قصة إدريس النبي عليه السلام)


1 - لم يذكر عليه السلام في القرآن إلا في الآيتين من سورة مريم: { واذكر
في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً } الآية 56 -
57 وفي قوله:
{ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }[الأنبياء: 85-86].
وفي الآيات ثناء منه تعالى عليه جميل فقد عدّه نبياً وصديقاً ومن الصابرين ومن الصالحين، وأخبر أنه رفعه مكاناً علياً.


2 - ومن الروايات الواردة في قصته ما عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة
بإسناده عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن الباقر عليه السلام - والحديث
طويل لخّصناه - أنه كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك
جبار، وركب ذات يوم في بعض نزهه فمرّ بأرض خضراء نضرة أعجبته فأحب أن
يمتلكها وكانت الأرض لعبد مؤمن فأمر بإحضاره وساومه فيها ليشتريها فلم
يبعها ولم يرض به فرجع الملك إلى البلدة وهو مغموم متحير في أمره فاستشار
امرأة له كان يستشيرها في هامة الأُمور فأشارت عليه أن يقيم عليه شهوداً
أنه خرج عن دين الملك فيقتله ويملك أرضه ففعل ما أشارت إليه وغصب الأرض.


فأوحى الله إلى إدريس أن يأتي الملك ويقول له عنه: أما رضيت أن قتلت عبدي
المؤمن ظلماً حتى استخلصت أرضه خالصة لك وأحوجت عياله من بعده وأجعتهم؟ أما
وعزتي لا نتقمن له منك في الآجل ولأسلبن ملكك في العاجل، ولأخربن مدينتك
ولأذلن عزك ولأطعمن الكلاب لحم امرأتك فقد غرّك يا مبتلى حلمي عنك.


فأتاه إدريس برسالة الله وبلّغه ذلك في ملاء من أصحابه فأخرجه الملك من
مجلسه ثم أرسل إليه بإشارة من امرأته قوماً يقتلونه، فانتبه لذلك بعض أصحاب
إدريس وأشاروا عليه بالخروج والهجرة فخرج منها ليومه ومعه بعض أصحابه ثم
ناجى ربه وشكى إليه ما لقيه من الملك في رسالته إليه فأوحى إليه بالخروج من
القرية، وأنه سينفذ في الملك أمره ويصدّق فيه قوله، ثم سأل أن لا تمطر
السماء على القرية وما حولها حتى يسأل ذلك فاجيب إليه.

فأخبر إدريس بذلك أصحابه من المؤمنين وأمرهم بالخروج منها فخرجوا وتفرقوا
في البلاد وكانوا عشرين رجلاً وشاع خبر وحيه وخروجه بين الناس، وخرج هو
متنحياً إلى كهف في جبل شاهق يعبد الله فيه ويصوم النهار ويأتيه ملك بطعام
يفطر به عند كل مساء.

وأنفذ الله في الملك وامرأته ومدينته ما أوحاه إلى إدريس وظهر في المدينة
جبار آخر عاص، وأمسكت السماء عنهم أمطارها عشرين سنة حتى جهدوا واشتدت
حالهم فلما بلغ بهم الجهد ذكر بعضهم لبعض أن الذي لقوه من الجهد والمشقة
إنما هو لدعاء إدريس عليهم أن لا يمطروا حتى يسألوه وخروجه من بينهم وهم لا
يعلمون أين هو؟ فالرأي أن يرجعوا ويتوبوا إلى الله ويسألوه المطر فهو أرحم
بهم منه فاجتمعوا على الدعاء والتضرع.


فأوحى الله إلى إدريس أن القوم عجّوا إليّ بالتوبة والاستغفار والبكاء
والتضرع وقد رحمتهم وما يمنعني من إمطارهم إلا مناظرتك فيما سألتني أن لا
أُمطر السماء عليهم حتى تسألني فاسألني حتى أُغيثهم، قال إدريس: اللهم إني
لا أسألك.


فأوحى الله إلى الملك الذي كان يأتيه بالطعام أن يمسك عنه فأمسك عنه ثلاثة
أيام حتى بلغ به الجوع فنادى: اللهم حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي
فأوحى الله إليه يا إدريس جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثه أيام ولم تجزع من
جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين سنة ثم سألتك أن تسألني أن أُمطر عليهم
فبخلت ولم تسأل فأدّبتك بالجوع فاهبط من موضعك واطلب المعاش لنفسك فقد
وكّلتك في طلبه إلى حيلتك.


فهبط إدريس إلى قرية هناك ونظر إلى بيت يصعد منه دخان فهجم عليه وإذا عجوز
كبيرة ترفق قرصتين لها على مقلاة فسألها أن تطعمه فقد بلغ به جهد الجوع
فقالت: يا عبد الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلاً نطعمه أحداً - وحلفت أنها
لا تملك غيره شيئاً - فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، فقال لها:
أطعميني ما أُمسك به روحي وتقوم به رجلي حتى أطلب، قالت: إنهما قرصتان
واحدة لي والأُخرى لابني فإن أطعمتك قوتي متُّ وإن أطعمتك قوت ابني مات
وليس ها هنا فضل قال: إن إبنك صغير يجزيه نصف قرصة فأطعمي كلاً منا نصفاً
يكون لنا بلغة فرضيت وفعلت.


فلما رأى ابنها إدريس وهو يأكل من قرصته اضطرب حتى مات، قالت أُمة: يا عبد
الله قتلت ابني جزعاً على قوته فقال: لا تجزعي فأنا أُحييه لك الساعة بإذن
الله وأخذ بعضدي الصبي وقال: أيتها الروح الخارجة عن بدنه بأمر الله ارجعي
إلى بدنه بإذن الله وأنا إدريس النبي، فرجعت روح الغلام إليه.


فلما سمعت أُمه كلام إدريس وقوله: أنا إدريس ونظرت إلى ابنها حيّاً قالت:
أشهد أنك إدريس النبي وخرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: أبشروا بالفرج
فقد دخل إدريس في قريتكم، فمضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار الأول
وقد تبدلت تلاً من تراب فاجتمع إليه أُناس من أهل قريته واسترحموه وسألوه
أن يدعو لهم فيمطروا.

قال: لا، حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك.

فبلغ ذلك الجبار فبعث إلى إدريس أربعين رجلاً وأمرهم أن يأتوا به إليه،
فلما جاؤه وكلَّفوه الذهاب معهم إليه، دعا عليهم فماتوا عن آخرهم، ثم أرسل
خمسمائة رجل فلما أتوه كلفوه الذهاب واسترحموه فأراهم مصارع أصحابهم وقال:
ما أنا بذاهب إليه ولا سائل حتى يأتيني هو وجميع أهل القرية مشاة حفاة
ويسألوني الدعاء للمطر.


فانطلقوا إليه وأخبروه بما قال وسألوه أن يمضي إليه هو وجميع أهل القرية
مشاة حفاة ويسألوه أن يسأل الله أن تمطر السماء، فأتوه حتى وقفوا بين يديه
خاضعين متذللين وسألوه أن يسأل الله أن تمطر السماء عليهم، فعند ذلك دعا
إدريس أن تمطر السماء عليهم فأظلَّتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت
عليهم من ساعتهم حتى ظنوا أنه الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمَّتهم
أنفسهم من الماء.


وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام فة
حديث يذكر فيه مسجد السهلة: أما علمت أنه موضع بيت إدريس النبي الذي كان
يخيط فيه.


أقول: وقد شاع بين أهل السير والآثار أنه عليه السلام أول من خط بالقلم وأول من خاط.


وفي تفسير القمي قال: وسمّي إدريس لكثرة دراسته الكتب.


أقول: ورد في بعض الروايات في معنى قوله تعالى في إدريس عليه السلام: {
ورفعناه مكاناً عليّاً } أن الله غضب على ملك من الملائكة فقطع جناحه
وألقاه في جزيرة من جزائر البحر فبقي هناك ما شاء الله، فلما بعث الله
إدريس جاءه ذلك الملك وسأله أن يدعو الله أن يرضى عنه ويردّ إليه جناحه،
فدعا له إدريس فردَّ الله جناحه إليه ورضي عنه.


قال الملك لإِدريس: ألك حاجة؟ قال نعم أحب أن ترفعني إلى السماء حتى أنظر
إلى ملك الموت فلا عيش لي مع ذكره، فأخذه الملك على جناحه حتى انتهى به إلى
السماء الرابعة فإذا هو بملك الموت يحرّك رأسه تعجباً، فسلم عليه إدريس
وقال له: ما لك تحرّك رأسك؟ قال: إن رب العزة أمرني أن أقبض روحك بين
السماء الرابعة والخامسة. فقلت: يا رب كيف يكون هذا وبيني وبينه أربع
سماوات وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين مسيرة خمسمائية عام؟
ثم قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة وهو قوله تعالى: { ورفعناه
مكاناً علياً }.


روى الحديث علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عمن
حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام، وروى ما في معناه في الكافي عن علي بن
إبراهيم عن أبيه عن عمرو بن عثمان عن مفضّل بن صالح عن جابر عن أبي جعفر
عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.



والروايتان على ما بهما وخاصة في الثانية منهما من ضعف السند لا معوّل
عليهما لمخالفتهما ظاهر الكتاب لنصِّه على عصمة الملائكة ونزاهتهم عن الذنب
والخطيئة.


وروى الثعلبي في العرائس عن ابن عباس وغيره ما ملخصه أن إدريس سار ذات يوم
فأصابه وهج الشمس فقال: إني مشيت في الشمس يوماً فتأذَّيت فكيف بمن يحملها
مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفّف عنه ثقلها واحمل عنه حرَّها،
فاستجاب الله له فأحسَّ الملك الذي يحملها بذلك فسأل الله في ذلك فأخبره
بما كان من دعاء إدريس واستجابته فسأله تعالى أن يجمع بينه وبين إدريس
ويجعل بينهما خلة فأذن له.


فكان إدريس يسأله وكان مما سأله: أنك أخبرت أنك أكرم الملائكة على ملك
الموت وأمكنهم عنده فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي حتى ازداد شكراً وعبادة فقال
الملك: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها. قال: نعم ولكنه أطيب لنفسي. قال
الملك أنا مكلمه لك، وما كان يستطيع أن يفعله لأحد من بني آدم فهو فاعله
لك.


ثم حمله الملك على جناحه ورفعه إلى السماء فوضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك
الموت وذكر له حاجة إدريس وشفع له فقال ملك الموت: ليس ذلك إليّ ولكن إن
أحببت أعلمته أجله. قال: نعم فنظر في ديوانه وأخبره باسمه وقال: ما أراه
يموت أبداً. فإنه أجده يموت عند مطلع الشمس! قال: فإني أتيتك وقد تركته
هناك. قال له: انطلق فلا أراك تجده إلا ميتاً فو الله ما بقي من أجله شيء
فرجع الملك إليه فوجده ميتاً.


ورواه في الدر المنثور عن ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن كعب
إلا أن فيه أن النازل على إدريس الملك الذي كان يرفع إليه عمله وقد كان
يرفع له من العمل ما يعدل عمل أهل الأرض في زمانه فأعجبه ذلك فسأل الله أن
ينزل إليه فأذن له فنزل إليه وصحبه " الخ " وروى ابن أبي حاتم بطريق آخر عن
ابن عباس هذا الحديث وفيه أن إدريس مات بين جناحي الملك.


وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن عمر مولى غفرة يرفعه إلى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أن إدريس كان يرفع له وحده من العمل ما يعدل عمل أهل
الأرض كلهم فأعجب ذلك ملك الموت فاستأذن الله في النزول إلى الأرض وصحبته
فأذن له فنزل إليه وصحبه فكانا يسيحان في الأرض ويعبدان الله فأعجب إدريس
ما رآه من عبادة صاحبه من غير كسل ولا فتور فسأله عن ذلك وأحفى في السؤال
حتى عرفه ملك الموت نفسه وذكر له قصة نزوله وصحبته.


فلما عرفه إدريس سأله ثلاث حوائج له: أن يقبض روحه ساعة ثم يردها إليه
فاستأذن الله وفعل، وأن يرفعه إلى السماء ويريه النار فاستأذن وفعل، وأن
يريه الجنة فاستأذن وفعل فدخل الجنة وأكل من ثمارها وشرب من مائها فقال له
ملك الموت: أخرج يا نبي الله فقد أصبت حاجتك، فامتنع من الخروج وتعلق بشجرة
هناك، وخاصم ملك الموت قائلاً: قال الله: { كل نفس ذائقه الموت } وقد
ذقته، وقال: { وإن منكم إلا واردها } وقد وردت النار، وقال: { وما هم منها
بمخرجين } ولست أخرج من الجنة بعد دخولها فأوحى الله إلى ملك الموت خصمك
عبدي فاتركه ولا تتعرض له فبقي في الجنة.

ورواه في العرائس عن وهب وفي آخره: فهو حي هناك فتارة يعبد الله في السماء الرابعة وتارة يتنعم في الجنة.


وفي مستدرك الحاكم عن سمرة كان إدريس أبيض طويلاً ضخم عريض الصدر قليل شعر
الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدي عينيه أعظم من الأُخرى، وكانت في صدره
نكتة بيضاء من غير برص فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم
واعتدائهم في أمر الله، رفعه الله إلى السماء السادسة فهو حيث يقول: {
ورفعناه مكاناً علياً }.


أقول: ولا يرتاب الناقد البصير في أن هذه الروايات إسرائيليات لعبت بها
أيدي الوضع، ويدفعها الموازين العلمية والأصول المسلمة من الدين.


3 - ويسمّى عليه السلام بهرمس قال القفطي في كتاب إخبار العلماء بأخبار
الحكماء في ترجمة إدريس: اختلف الحكماء في مولده ومنشأه وعمَّن أخذ العلم
قبل النبوة فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، ومولده بمنف،
وقالوا: هو باليونانية إرميس وعرّب بهرمس، ومعنى إرميس عطارد، وقال آخرون:
اسمه باليونانية طرميس، وهو عند العبرانيين خنوخ وعرّب اخنوح، وسماه الله
عز وجل في كتابه العربي المبين إدريس.


وقال هؤلاء: أن معلمـه اسمـه الغوثاذيمـون وقيل: أغثاذيمون المصري، ولم
يذكروا من كان هذا الرجل؟ إلا أنهم قالوا: إنه أحد الأنبياء اليونانيين
والمصريين، وسموه أيضاً أُورين الثاني وإدريس عندهم أُورين الثالث، وتفسير
غوثاذيمون السعيد الجدّ، وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد
إليها ورفعه الله إليه، بها وذلك بعد اثنين وثمانين سنة من عمره.


وقالت فرقه أُخرى: إن إدريس ولد ببابل ونشأ بها وأنه أخذ في أول عمره بعلم
شيث بن آدم وهو جد جد أبيه لأن إدريس ابن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش
بن شيث، قال الشهرستاني: إن أغثاذيمون هو شيث.


ولما كبر إدريس آتاه الله النبوة فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم
شريعة آدم وشيث فأطاعه أقلهم وخالفه جلهم فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه
منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل من أوطانهم فقالوا له: وأين نجد إذا رحلنا مثل
بابل؟ وبابل بالسريانية النهر وكأنهم عنوا بذلك دجلة والفرات، فقال: إذا
هاجرنا لله رزقنا غيره.


فخرج وخرجوا وساروا إلى أن وافوا هذا الإِقليم الذي سمي بابليون فرأوا
النيل ورأوا وادياً خالياً من ساكن فوقف إدريس على النيل وسبّح الله وقال
لجماعته: بابليون، وأختلف في تفسيره فقيل: نهر كبير، وقيل: نهر كنهركم،
وقيل: نهر مبارك، وقيل: إن يون في السريانية مثل أفعل التي للمبالغة في
كلام العرب وكأن معناه نهر أكبر فسمي الإِقليم عند جميع الأُمم بابليون،
وسائر فرق الأُمم على ذلك إلا العرب فإنهم يسمونه إقليم مصر نسبة إلى مصر
بن حام النازل به بعد الطوفان والله أعلم بكل ذلك.


وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وطاعة الله عز وجل، وتكلم الناس في أيامه باثنين وسبعين لساناً،
وعلّمه الله عز وجل منطقهم ليعلّم كل فرقة منهم بلسانها، ورسم لهم تمدين
المدن، وجمع له طالبي العلم بكل مدينة فعرَّفهم السياسية المدنية، وقرّر
لهم قواعدها فبنت كل فرقة من الأُمم مدناً في أرضها، وكانت عدة المدن التي
أُنشئت في زمانه مائة مدينة وثماني وثمانين مدينة أصغرها الرها وعلّمهم
العلوم.


وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم فإن الله عز وجل أفهمه سر الفلك
وتركيبه ونقط اجتماع الكواكب فيه وأفهمه عدد السنين والحساب ولولا ذلك لم
تصل الخواطر باستقرائها إلى ذلك.


وأقام للأُمم سنناً في كل إقليم تليق كل سنّة بأهلها، وقسم الأرض أربعة
أرباع وجعل على كل ربع ملكاً يسوس أمر المعمور من ذلك الربع، وتقدم إلى كل
ملك بأن يلزم أهل كل ربع بشريعة سأذكر بعضها، وأسماء الأربعة الملوك الذين
ملكوا: الأول إيلاوس وتفسيره الرحيم، والثاني أوس، والثالث سقلبيوس،
والرابع أوس آمون، وقيل: إيلاوس آمون، وقيل: يسيلوخس وهو آمون الملك انتهى
موضع الحاجة.


وهذه أحاديث وأنباء تنتهي إلى ما قبل التاريخ لا يعوّل عليها ذاك التعويل
غير أن بقاء ذكره الحي بين الفلاسفة وأهل العلم جيلاً بعد جيل وتعظيمهم له
واحترامهم لساحته وإنهاءهم أصول العلم إليه يكشف عن أنه من أقدم أئمة العلم
الذين ساقوا العالم الإِنساني إلى ساحة التفكر الاستدلالي والإِمعان في
البحث عن المعارف الإِلهية أو هو أولهم عليه السلام.




{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا
وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }
{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً}
* {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً}




قد تقدم في الكلام على غرض السورة أن الذي يستفاد من سياقها بيان أن عبادته
تعالى - وهو دين التوحيد - هو دين أهل السعادة والرشد من الأنبياء
والأولياء، وأن التخلف عن سبيلهم بإضاعة الصلاة وأتباع الشهوات اتباع سبيل
الغيّ إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً



فالآيات وخاصة الثلاث الأول منها تتضمن حاق غرض السورة وقد أوردته في صورة
الاستنباط من القصص المسرودة فيما تقدم من الآيات، وهذا مما تمتاز به هذه
السورة من سائر سور القرآن الطوال فإنما يشار في سائر السور إلى أغراضها
بالتلويح في مفتتح السورة ومختتمها ببراعة الاستهلال وحسن الختام لا في
وسطها.


قوله تعالى: { أُولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين } الخ، الإِشارة
بقوله: { أُولئك } إلى المذكورين قبل الآية في السورة وهم زكريا ويحيى
ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليهم
السلام.


وقد تقدَّمت الإِشارة إليه من سياق آيات السورة وأن القصص الموردة فيها
أمثله، وأن هذه الآية واللتين بعدها نتيجة مستخرجة منها، ولازم ذلك أن يكون
قوله: { أُولئك } مشيراً إلى أصحاب القصص بأعيانهم مبتدأ، وقوله: { الذين
أنعم الله عليهم } صفة له، وقوله: { إذا تتلى عليهم } الخ، خبراً له فهذا
هو الذي يهدى إليه التدبر في السياق. ولو أُخذ قوله: { الذين أنعم الله
عليهم } خبراً لقوله: { أُولئك } فقوله: { إذا تتلى عليهم } الخ، خبر له
بعد خبر لكنه لا يلائم غرض السورة تلك الملاءمة.


وقد أخبر الله سبحانه أنه أنعم عليهم وأطلق القول فيهم ففيه دلالة على أنهم
قد غشيتهم النعمة الإِلهية من غير نقمة وهذا هو معنى السعادة فليست
السعادة إلا النعمة من غير نقمة فهؤلاء أهل السعادة والفلاح بتمام معنى
الكلمة



إلى ان قال :

وقوله: { من النبيين } من فيه للتبعيض وعديله قوله الآتي: { وممن هدينا
واجتبينا } على ما سيأتي توضيحه. وقد جوز المفسرون كون { من } بيانية وأنت
خبير بأن ذلك لا يلائم كون { أُولئك } مشير إلى المذكورين من قبل، لأن
النبيّين أعم، اللهم إلا أن يكون إشارة إليهم بما هم أمثلة لأهل السعادة
ويكون المعنى أُولئك المذكورون وأمثالهم الذين أنعم الله عليهم هم النبيون
ومن هدينا واجتبينا.


وقوله: { من ذرية آدم } في معنى الصفة للنبيين ومن فيه للتبعيض أي من
النبيين الذين هم بعض ذرية آدم، وليس بياناً للنبيين لاختلال المعنى بذلك.


وقد قسم الله تعالى الذين أنعم عليهم من النبيين على هذه الطوائف الأربع
أعني ذرية آدم ومن حمله مع نوح وذرية إبراهيم وذرية إسرائيل وقد كان ذكر كل
سابق يغني عن ذكر لاحقه لكون ذريّة إسرائيل من ذرية إبراهيم والجميع ممن
حمل مع نوح والجميع من ذرية آدم عليه السلام.


ونظيره قول من قال بكونه معطوفاً على قوله: { من ذرية آدم } ومن للتبعيض وقد اتضح وجه فساده مما قدمناه.


فمعنى الآية - والله أعلم - أُولئك المنعم عليهم الذين بعضهم من النبيين من
ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وبعضهم من أهل
الهداية والاجتباء خاضعون للرحمن خاشعون إذا ذكر عندهم وتليت آياته عليهم.


ولم يقل: كانوا إذا تتلى عليهم " الخ " لأن العناية في المقام متعلقة ببيان
حال النوع من غير نظر إلى ماضي الزمان ومستقبله بل بتقسيمه إلى سلف صالح
وخلف طالح وثالث تاب وآمن وعمل صالحاً وهو ظاهر.

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 10:24 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:39 pm

من تفسير الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي :



{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ
رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ
وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } * { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ
هَارُونَ نَبِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ
كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَكَانَ
يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ
مَرْضِيّاً } * { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }


(بيان)

ذكر جمع آخرين من الأنبياء وشيء من موهبة الرحمة التي خصَّهم الله بها، وهم موسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليهم السلام .

...............إلى أن قال :

قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدِّيقاً نبياً } إلى آخر
الآيتين. قالوا: إن إدريس النبي كان اسمه أُخنوخ وهو من أجداد نوح عليهما
السلام على ما ذكر في سفر التكوين من التوراة، وإنما اشتهر بإدريس لكثرة
اشتغاله بالدرس.

وقوله: { ورفعناه مكاناً علياً } من الممكن أن يستفاد من سياق القصص
المسرودة في السورة وهي تعدّ مواهب النبوَّة والولاية وهي مقامات إلهية
معنوية أن المراد بالمكان العلي الذي رفع إليه درجة من درجات القرب إذ لا
مزيَّة في الارتفاع المادي والصعود إلى أقاصي الجو البعيدة أينما كان.

وقيل: إن المراد بذلك - كما ورد به الحديث - أن الله رفعه إلى بعض السماوات
وقبضه هناك، وفيه إراءة آية خارقة وقدرة إلهية بالغة وكفى بها مزيّة.

.............................إلى أن قال :


(قصة إدريس النبي عليه السلام)


1 - لم يذكر عليه السلام في القرآن إلا في الآيتين من سورة مريم: { واذكر
في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً } الآية 56 -
57 وفي قوله:
{ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }[الأنبياء: 85-86].
وفي الآيات ثناء منه تعالى عليه جميل فقد عدّه نبياً وصديقاً ومن الصابرين ومن الصالحين، وأخبر أنه رفعه مكاناً علياً.


2 - ومن الروايات الواردة في قصته ما عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة
بإسناده عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن الباقر عليه السلام - والحديث
طويل لخّصناه - أنه كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك
جبار، وركب ذات يوم في بعض نزهه فمرّ بأرض خضراء نضرة أعجبته فأحب أن
يمتلكها وكانت الأرض لعبد مؤمن فأمر بإحضاره وساومه فيها ليشتريها فلم
يبعها ولم يرض به فرجع الملك إلى البلدة وهو مغموم متحير في أمره فاستشار
امرأة له كان يستشيرها في هامة الأُمور فأشارت عليه أن يقيم عليه شهوداً
أنه خرج عن دين الملك فيقتله ويملك أرضه ففعل ما أشارت إليه وغصب الأرض.


فأوحى الله إلى إدريس أن يأتي الملك ويقول له عنه: أما رضيت أن قتلت عبدي
المؤمن ظلماً حتى استخلصت أرضه خالصة لك وأحوجت عياله من بعده وأجعتهم؟ أما
وعزتي لا نتقمن له منك في الآجل ولأسلبن ملكك في العاجل، ولأخربن مدينتك
ولأذلن عزك ولأطعمن الكلاب لحم امرأتك فقد غرّك يا مبتلى حلمي عنك.


فأتاه إدريس برسالة الله وبلّغه ذلك في ملاء من أصحابه فأخرجه الملك من
مجلسه ثم أرسل إليه بإشارة من امرأته قوماً يقتلونه، فانتبه لذلك بعض أصحاب
إدريس وأشاروا عليه بالخروج والهجرة فخرج منها ليومه ومعه بعض أصحابه ثم
ناجى ربه وشكى إليه ما لقيه من الملك في رسالته إليه فأوحى إليه بالخروج من
القرية، وأنه سينفذ في الملك أمره ويصدّق فيه قوله، ثم سأل أن لا تمطر
السماء على القرية وما حولها حتى يسأل ذلك فاجيب إليه.

فأخبر إدريس بذلك أصحابه من المؤمنين وأمرهم بالخروج منها فخرجوا وتفرقوا
في البلاد وكانوا عشرين رجلاً وشاع خبر وحيه وخروجه بين الناس، وخرج هو
متنحياً إلى كهف في جبل شاهق يعبد الله فيه ويصوم النهار ويأتيه ملك بطعام
يفطر به عند كل مساء.

وأنفذ الله في الملك وامرأته ومدينته ما أوحاه إلى إدريس وظهر في المدينة
جبار آخر عاص، وأمسكت السماء عنهم أمطارها عشرين سنة حتى جهدوا واشتدت
حالهم فلما بلغ بهم الجهد ذكر بعضهم لبعض أن الذي لقوه من الجهد والمشقة
إنما هو لدعاء إدريس عليهم أن لا يمطروا حتى يسألوه وخروجه من بينهم وهم لا
يعلمون أين هو؟ فالرأي أن يرجعوا ويتوبوا إلى الله ويسألوه المطر فهو أرحم
بهم منه فاجتمعوا على الدعاء والتضرع.


فأوحى الله إلى إدريس أن القوم عجّوا إليّ بالتوبة والاستغفار والبكاء
والتضرع وقد رحمتهم وما يمنعني من إمطارهم إلا مناظرتك فيما سألتني أن لا
أُمطر السماء عليهم حتى تسألني فاسألني حتى أُغيثهم، قال إدريس: اللهم إني
لا أسألك.


فأوحى الله إلى الملك الذي كان يأتيه بالطعام أن يمسك عنه فأمسك عنه ثلاثة
أيام حتى بلغ به الجوع فنادى: اللهم حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي
فأوحى الله إليه يا إدريس جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثه أيام ولم تجزع من
جوع أهل قريتك وجهدهم منذ عشرين سنة ثم سألتك أن تسألني أن أُمطر عليهم
فبخلت ولم تسأل فأدّبتك بالجوع فاهبط من موضعك واطلب المعاش لنفسك فقد
وكّلتك في طلبه إلى حيلتك.


فهبط إدريس إلى قرية هناك ونظر إلى بيت يصعد منه دخان فهجم عليه وإذا عجوز
كبيرة ترفق قرصتين لها على مقلاة فسألها أن تطعمه فقد بلغ به جهد الجوع
فقالت: يا عبد الله ما تركت لنا دعوة إدريس فضلاً نطعمه أحداً - وحلفت أنها
لا تملك غيره شيئاً - فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، فقال لها:
أطعميني ما أُمسك به روحي وتقوم به رجلي حتى أطلب، قالت: إنهما قرصتان
واحدة لي والأُخرى لابني فإن أطعمتك قوتي متُّ وإن أطعمتك قوت ابني مات
وليس ها هنا فضل قال: إن إبنك صغير يجزيه نصف قرصة فأطعمي كلاً منا نصفاً
يكون لنا بلغة فرضيت وفعلت.


فلما رأى ابنها إدريس وهو يأكل من قرصته اضطرب حتى مات، قالت أُمة: يا عبد
الله قتلت ابني جزعاً على قوته فقال: لا تجزعي فأنا أُحييه لك الساعة بإذن
الله وأخذ بعضدي الصبي وقال: أيتها الروح الخارجة عن بدنه بأمر الله ارجعي
إلى بدنه بإذن الله وأنا إدريس النبي، فرجعت روح الغلام إليه.


فلما سمعت أُمه كلام إدريس وقوله: أنا إدريس ونظرت إلى ابنها حيّاً قالت:
أشهد أنك إدريس النبي وخرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: أبشروا بالفرج
فقد دخل إدريس في قريتكم، فمضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبار الأول
وقد تبدلت تلاً من تراب فاجتمع إليه أُناس من أهل قريته واسترحموه وسألوه
أن يدعو لهم فيمطروا.

قال: لا، حتى يأتيني جباركم هذا وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة فيسألوني ذلك.

فبلغ ذلك الجبار فبعث إلى إدريس أربعين رجلاً وأمرهم أن يأتوا به إليه،
فلما جاؤه وكلَّفوه الذهاب معهم إليه، دعا عليهم فماتوا عن آخرهم، ثم أرسل
خمسمائة رجل فلما أتوه كلفوه الذهاب واسترحموه فأراهم مصارع أصحابهم وقال:
ما أنا بذاهب إليه ولا سائل حتى يأتيني هو وجميع أهل القرية مشاة حفاة
ويسألوني الدعاء للمطر.


فانطلقوا إليه وأخبروه بما قال وسألوه أن يمضي إليه هو وجميع أهل القرية
مشاة حفاة ويسألوه أن يسأل الله أن تمطر السماء، فأتوه حتى وقفوا بين يديه
خاضعين متذللين وسألوه أن يسأل الله أن تمطر السماء عليهم، فعند ذلك دعا
إدريس أن تمطر السماء عليهم فأظلَّتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت
عليهم من ساعتهم حتى ظنوا أنه الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمَّتهم
أنفسهم من الماء.


وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن أبان عن أبي عبد الله عليه السلام فة
حديث يذكر فيه مسجد السهلة: أما علمت أنه موضع بيت إدريس النبي الذي كان
يخيط فيه.


أقول: وقد شاع بين أهل السير والآثار أنه عليه السلام أول من خط بالقلم وأول من خاط.


وفي تفسير القمي قال: وسمّي إدريس لكثرة دراسته الكتب.


أقول: ورد في بعض الروايات في معنى قوله تعالى في إدريس عليه السلام: {
ورفعناه مكاناً عليّاً } أن الله غضب على ملك من الملائكة فقطع جناحه
وألقاه في جزيرة من جزائر البحر فبقي هناك ما شاء الله، فلما بعث الله
إدريس جاءه ذلك الملك وسأله أن يدعو الله أن يرضى عنه ويردّ إليه جناحه،
فدعا له إدريس فردَّ الله جناحه إليه ورضي عنه.


قال الملك لإِدريس: ألك حاجة؟ قال نعم أحب أن ترفعني إلى السماء حتى أنظر
إلى ملك الموت فلا عيش لي مع ذكره، فأخذه الملك على جناحه حتى انتهى به إلى
السماء الرابعة فإذا هو بملك الموت يحرّك رأسه تعجباً، فسلم عليه إدريس
وقال له: ما لك تحرّك رأسك؟ قال: إن رب العزة أمرني أن أقبض روحك بين
السماء الرابعة والخامسة. فقلت: يا رب كيف يكون هذا وبيني وبينه أربع
سماوات وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين مسيرة خمسمائية عام؟
ثم قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة وهو قوله تعالى: { ورفعناه
مكاناً علياً }.


روى الحديث علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عمن
حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام، وروى ما في معناه في الكافي عن علي بن
إبراهيم عن أبيه عن عمرو بن عثمان عن مفضّل بن صالح عن جابر عن أبي جعفر
عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.



والروايتان على ما بهما وخاصة في الثانية منهما من ضعف السند لا معوّل
عليهما لمخالفتهما ظاهر الكتاب لنصِّه على عصمة الملائكة ونزاهتهم عن الذنب
والخطيئة.


وروى الثعلبي في العرائس عن ابن عباس وغيره ما ملخصه أن إدريس سار ذات يوم
فأصابه وهج الشمس فقال: إني مشيت في الشمس يوماً فتأذَّيت فكيف بمن يحملها
مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفّف عنه ثقلها واحمل عنه حرَّها،
فاستجاب الله له فأحسَّ الملك الذي يحملها بذلك فسأل الله في ذلك فأخبره
بما كان من دعاء إدريس واستجابته فسأله تعالى أن يجمع بينه وبين إدريس
ويجعل بينهما خلة فأذن له.


فكان إدريس يسأله وكان مما سأله: أنك أخبرت أنك أكرم الملائكة على ملك
الموت وأمكنهم عنده فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي حتى ازداد شكراً وعبادة فقال
الملك: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها. قال: نعم ولكنه أطيب لنفسي. قال
الملك أنا مكلمه لك، وما كان يستطيع أن يفعله لأحد من بني آدم فهو فاعله
لك.


ثم حمله الملك على جناحه ورفعه إلى السماء فوضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك
الموت وذكر له حاجة إدريس وشفع له فقال ملك الموت: ليس ذلك إليّ ولكن إن
أحببت أعلمته أجله. قال: نعم فنظر في ديوانه وأخبره باسمه وقال: ما أراه
يموت أبداً. فإنه أجده يموت عند مطلع الشمس! قال: فإني أتيتك وقد تركته
هناك. قال له: انطلق فلا أراك تجده إلا ميتاً فو الله ما بقي من أجله شيء
فرجع الملك إليه فوجده ميتاً.


ورواه في الدر المنثور عن ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن كعب
إلا أن فيه أن النازل على إدريس الملك الذي كان يرفع إليه عمله وقد كان
يرفع له من العمل ما يعدل عمل أهل الأرض في زمانه فأعجبه ذلك فسأل الله أن
ينزل إليه فأذن له فنزل إليه وصحبه " الخ " وروى ابن أبي حاتم بطريق آخر عن
ابن عباس هذا الحديث وفيه أن إدريس مات بين جناحي الملك.


وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن عمر مولى غفرة يرفعه إلى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أن إدريس كان يرفع له وحده من العمل ما يعدل عمل أهل
الأرض كلهم فأعجب ذلك ملك الموت فاستأذن الله في النزول إلى الأرض وصحبته
فأذن له فنزل إليه وصحبه فكانا يسيحان في الأرض ويعبدان الله فأعجب إدريس
ما رآه من عبادة صاحبه من غير كسل ولا فتور فسأله عن ذلك وأحفى في السؤال
حتى عرفه ملك الموت نفسه وذكر له قصة نزوله وصحبته.


فلما عرفه إدريس سأله ثلاث حوائج له: أن يقبض روحه ساعة ثم يردها إليه
فاستأذن الله وفعل، وأن يرفعه إلى السماء ويريه النار فاستأذن وفعل، وأن
يريه الجنة فاستأذن وفعل فدخل الجنة وأكل من ثمارها وشرب من مائها فقال له
ملك الموت: أخرج يا نبي الله فقد أصبت حاجتك، فامتنع من الخروج وتعلق بشجرة
هناك، وخاصم ملك الموت قائلاً: قال الله: { كل نفس ذائقه الموت } وقد
ذقته، وقال: { وإن منكم إلا واردها } وقد وردت النار، وقال: { وما هم منها
بمخرجين } ولست أخرج من الجنة بعد دخولها فأوحى الله إلى ملك الموت خصمك
عبدي فاتركه ولا تتعرض له فبقي في الجنة.

ورواه في العرائس عن وهب وفي آخره: فهو حي هناك فتارة يعبد الله في السماء الرابعة وتارة يتنعم في الجنة.


وفي مستدرك الحاكم عن سمرة كان إدريس أبيض طويلاً ضخم عريض الصدر قليل شعر
الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدي عينيه أعظم من الأُخرى، وكانت في صدره
نكتة بيضاء من غير برص فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم
واعتدائهم في أمر الله، رفعه الله إلى السماء السادسة فهو حيث يقول: {
ورفعناه مكاناً علياً }.


أقول: ولا يرتاب الناقد البصير في أن هذه الروايات إسرائيليات لعبت بها
أيدي الوضع، ويدفعها الموازين العلمية والأصول المسلمة من الدين.


3 - ويسمّى عليه السلام بهرمس قال القفطي في كتاب إخبار العلماء بأخبار
الحكماء في ترجمة إدريس: اختلف الحكماء في مولده ومنشأه وعمَّن أخذ العلم
قبل النبوة فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، ومولده بمنف،
وقالوا: هو باليونانية إرميس وعرّب بهرمس، ومعنى إرميس عطارد، وقال آخرون:
اسمه باليونانية طرميس، وهو عند العبرانيين خنوخ وعرّب اخنوح، وسماه الله
عز وجل في كتابه العربي المبين إدريس.


وقال هؤلاء: أن معلمـه اسمـه الغوثاذيمـون وقيل: أغثاذيمون المصري، ولم
يذكروا من كان هذا الرجل؟ إلا أنهم قالوا: إنه أحد الأنبياء اليونانيين
والمصريين، وسموه أيضاً أُورين الثاني وإدريس عندهم أُورين الثالث، وتفسير
غوثاذيمون السعيد الجدّ، وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد
إليها ورفعه الله إليه، بها وذلك بعد اثنين وثمانين سنة من عمره.


وقالت فرقه أُخرى: إن إدريس ولد ببابل ونشأ بها وأنه أخذ في أول عمره بعلم
شيث بن آدم وهو جد جد أبيه لأن إدريس ابن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش
بن شيث، قال الشهرستاني: إن أغثاذيمون هو شيث.


ولما كبر إدريس آتاه الله النبوة فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم
شريعة آدم وشيث فأطاعه أقلهم وخالفه جلهم فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه
منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل من أوطانهم فقالوا له: وأين نجد إذا رحلنا مثل
بابل؟ وبابل بالسريانية النهر وكأنهم عنوا بذلك دجلة والفرات، فقال: إذا
هاجرنا لله رزقنا غيره.


فخرج وخرجوا وساروا إلى أن وافوا هذا الإِقليم الذي سمي بابليون فرأوا
النيل ورأوا وادياً خالياً من ساكن فوقف إدريس على النيل وسبّح الله وقال
لجماعته: بابليون، وأختلف في تفسيره فقيل: نهر كبير، وقيل: نهر كنهركم،
وقيل: نهر مبارك، وقيل: إن يون في السريانية مثل أفعل التي للمبالغة في
كلام العرب وكأن معناه نهر أكبر فسمي الإِقليم عند جميع الأُمم بابليون،
وسائر فرق الأُمم على ذلك إلا العرب فإنهم يسمونه إقليم مصر نسبة إلى مصر
بن حام النازل به بعد الطوفان والله أعلم بكل ذلك.


وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وطاعة الله عز وجل، وتكلم الناس في أيامه باثنين وسبعين لساناً،
وعلّمه الله عز وجل منطقهم ليعلّم كل فرقة منهم بلسانها، ورسم لهم تمدين
المدن، وجمع له طالبي العلم بكل مدينة فعرَّفهم السياسية المدنية، وقرّر
لهم قواعدها فبنت كل فرقة من الأُمم مدناً في أرضها، وكانت عدة المدن التي
أُنشئت في زمانه مائة مدينة وثماني وثمانين مدينة أصغرها الرها وعلّمهم
العلوم.


وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم فإن الله عز وجل أفهمه سر الفلك
وتركيبه ونقط اجتماع الكواكب فيه وأفهمه عدد السنين والحساب ولولا ذلك لم
تصل الخواطر باستقرائها إلى ذلك.


وأقام للأُمم سنناً في كل إقليم تليق كل سنّة بأهلها، وقسم الأرض أربعة
أرباع وجعل على كل ربع ملكاً يسوس أمر المعمور من ذلك الربع، وتقدم إلى كل
ملك بأن يلزم أهل كل ربع بشريعة سأذكر بعضها، وأسماء الأربعة الملوك الذين
ملكوا: الأول إيلاوس وتفسيره الرحيم، والثاني أوس، والثالث سقلبيوس،
والرابع أوس آمون، وقيل: إيلاوس آمون، وقيل: يسيلوخس وهو آمون الملك انتهى
موضع الحاجة.


وهذه أحاديث وأنباء تنتهي إلى ما قبل التاريخ لا يعوّل عليها ذاك التعويل
غير أن بقاء ذكره الحي بين الفلاسفة وأهل العلم جيلاً بعد جيل وتعظيمهم له
واحترامهم لساحته وإنهاءهم أصول العلم إليه يكشف عن أنه من أقدم أئمة العلم
الذين ساقوا العالم الإِنساني إلى ساحة التفكر الاستدلالي والإِمعان في
البحث عن المعارف الإِلهية أو هو أولهم عليه السلام.




{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا
وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }
{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً}
* {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً}




قد تقدم في الكلام على غرض السورة أن الذي يستفاد من سياقها بيان أن عبادته
تعالى - وهو دين التوحيد - هو دين أهل السعادة والرشد من الأنبياء
والأولياء، وأن التخلف عن سبيلهم بإضاعة الصلاة وأتباع الشهوات اتباع سبيل
الغيّ إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً



فالآيات وخاصة الثلاث الأول منها تتضمن حاق غرض السورة وقد أوردته في صورة
الاستنباط من القصص المسرودة فيما تقدم من الآيات، وهذا مما تمتاز به هذه
السورة من سائر سور القرآن الطوال فإنما يشار في سائر السور إلى أغراضها
بالتلويح في مفتتح السورة ومختتمها ببراعة الاستهلال وحسن الختام لا في
وسطها.


قوله تعالى: { أُولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين } الخ، الإِشارة
بقوله: { أُولئك } إلى المذكورين قبل الآية في السورة وهم زكريا ويحيى
ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليهم
السلام.


وقد تقدَّمت الإِشارة إليه من سياق آيات السورة وأن القصص الموردة فيها
أمثله، وأن هذه الآية واللتين بعدها نتيجة مستخرجة منها، ولازم ذلك أن يكون
قوله: { أُولئك } مشيراً إلى أصحاب القصص بأعيانهم مبتدأ، وقوله: { الذين
أنعم الله عليهم } صفة له، وقوله: { إذا تتلى عليهم } الخ، خبراً له فهذا
هو الذي يهدى إليه التدبر في السياق. ولو أُخذ قوله: { الذين أنعم الله
عليهم } خبراً لقوله: { أُولئك } فقوله: { إذا تتلى عليهم } الخ، خبر له
بعد خبر لكنه لا يلائم غرض السورة تلك الملاءمة.


وقد أخبر الله سبحانه أنه أنعم عليهم وأطلق القول فيهم ففيه دلالة على أنهم
قد غشيتهم النعمة الإِلهية من غير نقمة وهذا هو معنى السعادة فليست
السعادة إلا النعمة من غير نقمة فهؤلاء أهل السعادة والفلاح بتمام معنى
الكلمة



إلى ان قال :

وقوله: { من النبيين } من فيه للتبعيض وعديله قوله الآتي: { وممن هدينا
واجتبينا } على ما سيأتي توضيحه. وقد جوز المفسرون كون { من } بيانية وأنت
خبير بأن ذلك لا يلائم كون { أُولئك } مشير إلى المذكورين من قبل، لأن
النبيّين أعم، اللهم إلا أن يكون إشارة إليهم بما هم أمثلة لأهل السعادة
ويكون المعنى أُولئك المذكورون وأمثالهم الذين أنعم الله عليهم هم النبيون
ومن هدينا واجتبينا.


وقوله: { من ذرية آدم } في معنى الصفة للنبيين ومن فيه للتبعيض أي من
النبيين الذين هم بعض ذرية آدم، وليس بياناً للنبيين لاختلال المعنى بذلك.


وقد قسم الله تعالى الذين أنعم عليهم من النبيين على هذه الطوائف الأربع
أعني ذرية آدم ومن حمله مع نوح وذرية إبراهيم وذرية إسرائيل وقد كان ذكر كل
سابق يغني عن ذكر لاحقه لكون ذريّة إسرائيل من ذرية إبراهيم والجميع ممن
حمل مع نوح والجميع من ذرية آدم عليه السلام.


ونظيره قول من قال بكونه معطوفاً على قوله: { من ذرية آدم } ومن للتبعيض وقد اتضح وجه فساده مما قدمناه.


فمعنى الآية - والله أعلم - أُولئك المنعم عليهم الذين بعضهم من النبيين من
ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وبعضهم من أهل
الهداية والاجتباء خاضعون للرحمن خاشعون إذا ذكر عندهم وتليت آياته عليهم.


ولم يقل: كانوا إذا تتلى عليهم " الخ " لأن العناية في المقام متعلقة ببيان
حال النوع من غير نظر إلى ماضي الزمان ومستقبله بل بتقسيمه إلى سلف صالح
وخلف طالح وثالث تاب وآمن وعمل صالحاً وهو ظاهر.

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 10:27 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:43 pm

من تفسير الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي :




{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً } * { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }


قوله تعالى: { وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً
نَّبِيَّاً } إدريس عليه السلام أوّل من خط بالقلم، وأوّل من خاط الثياب
ولبس المخيط، وأوّل من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها. وسمي إدريس لكثرة
درسه لكتاب الله تعالى. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث
أبي ذر. قال الزمخشري: وقيل سمي إدريسُ إدريسَ لكثرة درسه كتاب الله تعالى؛
وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح؛ لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه
إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً، فامتناعه من الصرف دليل على
العجمة؛ وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون؛ ولا يعقوب من
العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت؛ ومن لم يحقق ولم يتدرّب
بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات؛ ويجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام
في تلك اللغة قريباً من ذلك فحسبه الراوي مشتقاً من الدرس. قال الثعلبي
والغزنوي وغيرهما: وهو جدّ نوح وهو خطأ؛ وقد تقدّم في «الأعراف» بيانه.
وكذا وقع في السيرة أن نوحاً عليه السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو
إدريس النبي فيما يزعمون؛ والله تعالى أعلم. وكان أوّل من أعطي النبوّة من
بني آدم، وخط بالقلم. ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم
صلى الله عليه وسلم فالله أعلم.


قوله تعالى: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } قال أنس بن مالك وأبو
سعيد الخدريّ وغيرهما: يعني السماء الرابعة. وروي ذلك عن النبي صلى الله
عليه وسلم؛ وقاله كعب الأحبار. وقال ابن عباس والضحاك: يعني السماء
السادسة؛ ذكره المهدوي.


قلت: ووقع في البخاري عن شرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر قال: سمعت أنس بن
مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة،
الحديث، وفيه: كل سماء فيها أنبياء ـ قد سماهم ـ منهم إدريس في الثانية.
وهو وَهَمٌ، والصحيح أنه في السماء الرابعة؛ كذلك رواه ثابت البُنَانِيّ عن
أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره مسلم في الصحيح. وروى
مالك بن صعصعة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لما عرج بي إلى
السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة " خرجه مسلم أيضاً. وكان سبب رفعه
على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما: " أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج
الشمس، فقال: يا رب أنا مشيت يوماً فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم
واحد! اللهم خَفِّف عنه من ثقلها. يعني الملك الموكل بفلك الشمس؛ يقول
إدريس: اللهم خَفِّف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها. فلما أصبح الملك وجد
من خفة الشمس والظل ما لا يعرف، فقال: يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي
قضيت فيه؟ فقال الله تعالى: «أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها
وحرها فأجبته» فقال: يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلة. فأذن
الله له حتى أتى إدريس، وكان إدريس عليه السلام يسأله. فقال: أخبرت أنك
أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي، فأزداد
شكراً وعبادة. فقال الملك: لا يؤخر الله نفساً إِذا جاء أجلها؛ فقال للملك:
قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي. قال: نعم. ثم حمله على جناحه فرفعه إلى
السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم قال لملك الموت: لي صديق من بني آدم تشّفع
بي إليك لتؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت عِلمه أعلمته متى
يموت. قال: «نعم» ثم نظر في ديوانه، فقال: إنك تسألني عن إنسان ما أراه
يموت أبداً. قال: «وكيف»؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال: فإني
أتيتك وتركته هناك؛ قال: انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي
من أجل إدريس شيء. فرجع الملك فوجده ميتاً "

وقال السدّي: إنه نام ذات يوم، واشتدّ عليه حرّ الشمس، فقام وهو منها في
كرب؛ فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها، وأعنه على ثقلها، فإنه يمارس
ناراً حامية. فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور، عنده سبعون ألف ملك
عن يمينه، ومثلها عن يساره يخدمونه، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه؛ فقال
ملك الشمس: يا رب من أين لي هذا؟. قال:
" دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس " ثم ذكر نحو حديث كعب. قال فقال له
ملك الشمس: أتريد حاجة؟ قال: نعم وددت أني لو رأيت الجنة. قال: فرفعه على
جناحه، ثم طار به، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في
السماء، ينظر يميناً وشمالاً، فسلم عليه ملك الشمس، وقال: يا إدريس هذا ملك
الموت فسلم عليه؛ فقال ملك الموت: سبحان الله! ولأي معنى رفعته هاهنا؟
قال: رفعته لأريه الجنة. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في
السماء الرابعة. قلت: يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة، فنزلت فإذا هو
معك؛ فقبض روحه فرفعها إلى الجنة، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة،
فذلك قوله تعالى: «ورفعناه مكاناً علِياً». قال وهب بن منبه: كان يرفع
لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب منه
الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في
صورة آدمي، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار؛ فلما كان وقت إفطاره دعاه
إلى طعامه فأبى أن يأكل.
ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس؛ وقال له: من أنت! قال: أنا ملك الموت؛
استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي؛ فقال: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال:
أن تقبض روحي. فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه؛ فقبضه وردّه الله إليه
بعد ساعة، وقال له ملك الموت: ما الفائدة في قبض روحك؟ قال: لأذوق كرب
الموت فأكون له أشدّ استعداداً. ثم قال له إدريس بعد ساعة: إن لي إليك حاجة
أخرى. قال: وما هي؟ قال: أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار؛
فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السموات، فرأى النار فصعق، فلما أفاق قال:
أرني الجنة؛ فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك.
فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى بينهما ملكاً حكماً،
فقال: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال:
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ }
[آل عمران: 185] وأنا ذقته، وقال:
{ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }
[مريم: 71] وقد وردتها؛ وقال:
{ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }
[الحجر: 48] فكيف أخرج؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت: " بإذني دخل
الجنة وبأمري يخرج " فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى: { وَرَفَعْنَاهُ
مَكَاناً عَلِيّاً } قال النحاس: قول إدريس: «وَمَا هُمْ مِنْهَا
بِمُخْرَجِينَ» يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس، ثم نزل القرآن به. قال
وهب بن منبه: فإدريس تارة يرتع في الجنة، وتارة يعبد الله تعالى مع
الملائكة في السماء.


{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا
وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }




فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ } يريد إدريس وحده. {
وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } يريد إبراهيم وحده. { وَمِن ذُرِّيَّةِ
إِبْرَاهِيمَ } يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب. { و } من ذرية { إِسْرَائِيلَ }
موسى وهارون وزكريا ويحيـى وعيسى. فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم،
ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم.
{ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } أي إلى الإسلام: { وَٱجْتَبَيْنَآ } بالإيمان. {
إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ }. وقرأ شِبل بن عباد
المكي «يتلى» بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل. { خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً } وصفهم بالخشوع لله والبكاء. وقد مضى في «سبحان».
يقال: بكى يبكي بكاء وبُكًى وبُكيَّا، إلا أن الخليل قال: إذا قصرت البكاء
فهو مثل الحزن؛ أي ليس معه صوت كما قال الشاعر:

بكت عيني و حق لها بكاها *** و ما يغني البكاء و لا العويل

«وسُجَّداً» نصب على الحال «وَبُكِيّاً» عطف عليه.



الثانية: في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيراً في القلوب. قال
الحسن: «إذا تتلى عليهِم آيات الرحمنِ خروا سجداً وبكيا» في الصلاة. وقال
الأصم: المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا
يسجدون عند تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروي عن ابن عباس أن المراد به
القرآن خاصة، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته؛ قال الكيا: وفي هذه
الآية دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء،
ولو كان كذلك لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مختصاً بإنزاله إليه.



الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع
والقارىء. قال الكيا: وهذا بعيد، فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى.
وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
في تعظيمهم لله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة.



الرابعة: قال العلماء: ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها،
فإن قرأ سورة السجدة «الۤـمۤ تَنْزِيلُ» قال: اللهم اجعلني من الساجدين
لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ
سجدة «سبحان» قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ هذه
قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين الساجدين لك، الباكين
عند تلاوة آياتك.



من تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للطبري :



{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً }
* {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }


يقول تعالـى ذكره: واذكر يا مـحمد فـي كتابنا هذا إدريس { إنَّهُ كانَ
صِدّيقاً } لا يقول الكذب، { نَبِـيًّا } نوحي إلـيه من أمرنا ما نشاء {
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا } ذكر أن الله رفعه وهو حيّ إلـى السماء
الرابعة، فذلك معنى قوله: { وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا } يعنـي به
إلـى مكان ذي علوّ وارتفـاع. وقال بعضهم: رُفع إلـى السماء السادسة. وقال
آخرون: الرابعة. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي جرير بن
حازم، عن سلـيـمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن
عبـاس كعبـاً وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالـى لإدريس {
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا } قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى
إلـيه: إنـي رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بنـي آدم، فأحبّ أن تزداد عملاً،
فأتاه خـلـيـل له من الـملائكة، فقال: إن الله أوحى إلـيّ كذا وكذا،
فكلـمْ لـي ملك الـموت، فلـيؤخرنـي حتـى أزداد عملاً، فحمله بـين جناحيه،
ثم صعد به إلـى السماء فلـما كان فـي السماء الرابعة، تلقاهم ملك الـموت
منـحدراً، فكلـم ملك الـموت فـي الذي كلـمه فـيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟
فقال: هوذا علـى ظهري، قال ملك الـموت: فـالعجب بعثت أقبض روح إدريس فـي
السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه فـي السماء الرابعة وهو فـي
الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبـارك وتعالـى: { وَرَفَعْناهُ
مَكاناً عَلِـيًّا }.


حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث،
قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد،
قوله: { وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا } قال: إدريس رُفع فلـم يـمت، كما
رُفع عيسى.

حدثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولـم يـمت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن
أبـيه، عن ابن عبـاس { وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا } قال: رفع إلـى
السماء السادسة، فمات فـيها.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان،
قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { وَرَفَعْناهُ مكاناًعلـياً } إدريس
أدركه الـموت فـي السماء السادسة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد { ورفعناه مكاناً علـياً } قال: السماء الرابعة.


حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن أبـي هارون العبدي، عن
أبـي سعيد الـخدري { ورفعناه مكاناً علـياً } قال: فـي السماء الرابعة.


حدثنا علـيّ بن سهيـل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن
الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية الرياحي، عن أبـي هريرة أو غيره «شكّ أبو
جعفر الرازي» قال: لـما أسري بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم صعد به جبريـل
إلـى السماء الرابعة، فـاستفتـح فقـيـل: من هذا؟ قال: جبرائيـل، قالوا: ومن
معه؟ قال: مـحمد، قالوا: أوقد أرسل إلـيه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من
أخ ومن خـلـيفة، فنعم الأخ ونعم الـخـلـيفة، ونعم الـمـجيء جاء، قال: فدخـل
فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكاناً علـياً.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله { ورفعناه
مكاناً علـياً } قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبـيّ الله حدث أنه لـما عرج به
إلـى السماء قال: أتـيت علـى إدريس فـي السماء الرابعة.



{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا
وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ
سُجَّداً وَبُكِيّاً }



يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين اقتصصتُ علـيك
أنبـاءهم فـي هذه السورة يا مـحمد، الذين أنعم الله علـيهم بتوفـيقه،
فهداهم لطريق الرشد من الأنبـياء من ذريه آدم، ومن ذرية من حملنا مع نوح
فـي الفُلك، ومن ذرية إبراهيـم خـلـيـل الرحمن، ومن ذرية إسرائيـل، ومـمن
هدينا للإيـمان بـالله والعمل بطاعته واجتبـينا: يقول: ومـمن اصطفـينا
واخترنا لرسالتنا ووحينا، فـالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به
من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيـم، والذي عنى به من ذرية إبراهيـم إسحاق
ويعقوب وإسماعيـل، والذي عنى به من ذرية إسرائيـل: موسى وهارون وزكريا
وعيسى وأمه مريـم، ولذلك فرق تعالـى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم
لأن فـيهم من لـيس من ولد من كان مع نوح فـي السفـينة، وهو إدريس، وإدريس
جدّ نوح.


وقوله تعالـى ذكره: { إذَا تُتلـى عَلَـيهِمْ آياتُ الرَّحمنِ } يقول: إذا
تتلـى علـى هؤلاء الذين أنعم الله علـيهم من النبـيـين أدلة الله وحججه
التـي أنزلها علـيهم فـي كتبه، خرّوا لله سجداً، استكانة له وتذللاً
وخضوعاً لأمره وانقـياداً، { وَبُكِيًّا } يقول: خرّوا سجداً وهم بـاكون،
والبُكِيّ: جمع بـاك، كما العُتِـيّ جمع عات والـجُثِـيّ: جمع جاث، فجمع
وهو فـاعل علـى فعول، كما يجمع القاعد قعوداً، والـجالس جلوسا، وكان
القـياس أن يكون: وبُكوّا وعتوّا، ولكن كرهت الواو بعد الضمة فقلبت ياء،
كما قـيـل فـي جمع دلو أدل. وفـي جمع البهو أبه، وأصل ذلك أفعل أدلو وأبهو،
فقلبت الواو ياء لـمـجيئها بعد الضمة استثقالاً، وفـي ذلك لغتان
مستفـيضتان، قد قرأ بكلّ واحدة علـماء من القرّاء بـالقرآن بكياً وعتوّا
بـالضمّ، وبكياَ وعتـياً بـالكسر. وقد يجوز أن يكون البكيّ هو البكاء
بعينه.

وقد:
حدثنا ابن بشاء، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن
إبراهيـم، قال: قرأ عمر بن الـخطاب سورة مريـم فسجد وقال: هذا السجود، فأين
البكيّ؟ يريد: فأين البكاء.

_________________




عدل سابقا من قبل نور الصباح في الإثنين مايو 09, 2011 10:35 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور الصباح
 
 
avatar

عدد الرسائل : 366
البلد : مصر
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : 28/04/2011

مُساهمةموضوع: رد: نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل   الإثنين مايو 09, 2011 9:57 pm

المبحث الثاني :


إدريس صلوات ربي و سلامه عليه



كان الناس في بداية الأمر(أي في الزمن الذي ما بين ءادم إلى إدريس إلى نوح)
في بداية الحياة و أول طريقها ،و بالتالي فهُم البشر الأول الذي سكن الأرض
و يحاول الإنتشار بها ،و بالتالي هُم لا يملكون معلومات و لا أشياء
تساعدهم على العيش ،فأحتاجوا بذلك لمعرفة الأدوات التي يحتاجونها في حياتهم
و المعارف العلمية التي ستنمي عقولهم و تساعدهم في تلبية إحتياجات أجسادهم
و طعامهم و مسكنهم و عقولهم التي تريد كيفية العلم ،و أيديهم التي تريد
كيفية العمل .....

ثم إننا نسأل سؤال : لماذا الله تعالى لم ينزل هؤلاء البشر الأول العلم بكيفية العيش و وسائله ؟
ج : لأنه خلقك أصلا بسبب أن (تسعى في الأرض) للعمل و العيش و حتى لجنى راحة
النفس !! لأنه لولا تعب و تدوير على اكتشاف الحياة و معرفة العلوم و
المعارف بنفسي .....إلخ لــلــَــم يكن هنالك اصلا شئ يسمى دنيا ،فالذي
يتكاسل و لا يقدر على صعوبات السعي في الحياة فهو لن يستطيع العيش في
الدنيا بشكل صحيح ،لان هذه الدنيا(دار تعب و مشقة)و يجب على كل من اراد
العيش بها ان يتعب ليكون له كل ما اراد فعله ...

و لذلك فنحن نرى الأنبياء صلوات ربي عليهم ،يفعلون ذلك ليكونوا قدوتنا و نحن جميعا نفعل مثلهم
فلذلك تسمع : إدريس أول من خط بالقلم و أول من خاط الثياب و اشتغل بالخياطة و أول من تعلّم و علّم علوم الفلك و الحساب
و داوُد أول من سرد الدروع ،و زكريا كان نجاراً ...إلخ
فقد اخرج الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 4/358 :
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صل الله عليه و سلم :
كان داود زرادا وكان آدم حراثا وكان نوح نجارا وكان إدريس خياطا وكان موسى راعيا
خلاصة حكم العسقلاني على الحديث : إسناده واهٍ

عودة :
و في نفس الوقت لو تلاحظ ،أن كل أهل تلك الأزمنة البدائية كانوا صالحين لا
يشوبهم ضلالات و لا كفر،حتى ورد ببعض الأخبار أن الملائكة كانت تظهر عيانا
أمام أهل تلك الأزمنة و تسلّم عليهم ...أما في زمن نوح عليه السلام فَـلـم
تظهر الملائكة أمام أعين الناس مرة أخرى ،لأن في زمن نوح كانت بداية ظهور
عبادة الأوثان ...فلم يعد هنالك خير مثل الأزمنة التي قبل نوح ....فبدأت
الملائكة بدورها بعدم الظهور أمام الناس ،بسبب قلة الصالحين و كثرة
الفاسقين في زمن نوح ..أما في زمن مَن كان قبله فكان العكس صحيح ....و
بالتالي بما أن هذه الأقوام الأوليّة صالحين في عليين، فإنهم لا يشوبهم
أوثان و لا إنحرافات عن جادة الصواب و بالتالي لا يحتاجون لمن يدعوهم لترك
الأوثان لأنه لم يوجد أوثان آنذاك و لم تُعرف وقتئذٍ أصلا ..و الدليل على
أن الأزمنة التي قبل نوح كانت كلها عُبّاد و علماء و صالحين بكثرة و عدم
وجود كفار أصلا ....هو أن في الأزمنة التي قبل نوح(أي زمن إدريس و شيث)كان
مجتمعهم ملئ بالصالحين ،و كان أشهر و أعظم و أكبر صالحيهم كانوا خمس : ود –
سواع – يغوث – يعوق – نسر ....و لما مات هؤلاء الصالحين(قُرابة زمن
إدريس)حزن الناس عليهم ...ففكروا ببناء التماثيل لتجسيد صورهم و تخليد
ذكراهم ....فنهاهم إدريس عن ذلك ...لأن التصوير كما نعلم(حرام)في شرعنا و
التمثيل عندما نشكل بمواد البناء أجساما لأشياء فيها روح كما فعل قوم إدريس
فإنهم جسّدوا صالحيهم بالطين فكانوا قد مثلوا أجساد فيها أرواح و هذا حرام
كما في شرعنا ...و هؤلاء كانوا بنو قابيل فنهاهم إدريس عن ذلك خشية أن
يعبدوهم بعد حين ،و الدليل الذي يثبت أنهم سيعبدوا هذه التماثيل في
المستقبل .....أنهم بنوا التماثيل أصلا حبّا لصالحيهم و كانت الخطوة الأولى
...و الخطوة الثانية كانت تساهلا في الحب في الشخص فبالتالي غالوا فيه
فعبدوا تمثاله .....للذلك دعاهم إدريس لترك المحرمات من تمثيل الأجساد التي
بها روح لأن ذلك حراما ...فما بالك و سيؤديهم ذلك لحرام أكبر ،بل أكبر
حرام بعد ذلك و هو (الشرك) !!


و نستنتج من هذا أن في زمن إدريس إرتُكبت المحرمات فقط ،لكن لم تُعبَد
الأوثان ....أما في زمن نوح ،فكانت بداية عبادة الأوثان على وجه الكرة
الأرضية ..و كان قوم إدريس الذين دعاهم إلى الله و دعاهم لهدم ما فعلوه من
محرمات هم بنو قابيل ....أما بنو شيث فكانوا من قومه أيضا و لكن كانوا
مميزين عن غيرهم بأنهم هم الصفوة المختارة من قومه لأنهم الوحيدون الذين
آمنوا من قومه و كان عددهم 1000 إنسان فقط كما قلنا سابقا ....


و كانت في نفس الوقت نبوة شيث و إدريس عليهما السلام كالمهمة الوعظية و
المجتمعية و الشرائعية(البدائية لأنها في بدايات الحياة) ،التي يُعلّم فيها
النبي قومه أوليّات الحكم و العلوم و أوليات الشريعة و كذلك أوليّات
الإستخدامات الأدواتية و المعرفية الإجتماعية التي أكتشفها الإنسان منذ
القديم ليمارسها في حياته اليومية و يعتمد عليها لمعيشته ،فكانت كالشئ
المشهور المتعارف عليه الذي عُرف بين المجتمعات و الأوساط و صارت تستخدمه
في حياتها ...

و كما قلنا أن تلك المجتمعات البدائية كانت لها شريعة كمثل أي شرائع أخرى
كانت بعدها ...إلا أن الفارق بها هو أنها لا تحوي نهي عن الشرك و عبادة
الأوثان أو بالأصح تشديد و تكثير من ذكر الشرك و التحذير منه لأنه لم يوجد
شرك أيامها أصلا كما قلنا منذ قليل ...


و بما أن هؤلاء الأنبياء في العهود الأوليّة (ءادم – شيث – إدريس) التي ليس
بها دعوة بشكل أكبر كما كان بعد زمن نوح ......فإن المعلومات عنهم قليلة
غير معروفة كثيرا ،و السبب يعود لــ(همّة) النبي .....فكلما كان النبي منهم
أكثر دعوة و إخلاصا في رسالته كلما ذُكر في القراءن كثيرا ،أو ذكر
النبي"ص" له عن حياته أو طرفا عن خبره ...


و ءادم و شيث كانوا في البدايات و كانت همتهم عالية لدعوة و تعليم قومهم
دين الله ...و إدريس أكثر و أكبر دعوة منهم ، لأن الله لم يذكر دعوة ءادم و
شيث مطلقا ...و لكن على الأقل ذكر إدريس مرتين فقط .....و بناءا على ما
قلناه أنه : كلما كانت حياة نبي من الأنبياء مهمة لنعرفها كلما ذكرها ربي
بالقرآن ....فلذلك قد ذكر الله لنا أهم الأحداث التي في حياة إدريس و أكتفى
بها عن سواها من أحداث حياته و هما : آيتين بمريم و آية بالأنبياء ..أما
لو كان تعالى ذكر عن حياته أكثر من هذا بالقرآن، فإنها ستكون آيات إسهابية
بلا فائدة ،و تعالى الله عن الإسهاب بل هو الكامل العليم .و لأنه يعلم أنه
لن يفيدنا من حياة إدريس إلا ما جاء ذكره بهاتين الآيتين ،فلذلك جل و على
لم يذكر غيرهما و لم يذكر غير الذي بالآيتين ،و لو كان هنالك ما يفيدنا و
نحتاجه لأنفسنا من حياته عليه السلام لذكره الله تعالى ....إلا أننا نحن
الناس يحتوينا الفضول الدائم لمعرفة ما يُعرف بـــ(علمٌ لا ينفع و جهل لا
يضر) .....و لو أننا أستخدمنا أنفسنا لمعرفة المغازي الحقيقية للقصة
القُرآنية أو الفوائد التي بها لوجدناها والله ألذ و أمتع من البحث عن (علم
لا ينفع و جهل لا يضر) !!! كمثلا أين توفي النبي كذا و كم كان عمره ؟فقل
لي إذا (ماذا استفدنا)؟؟
ربما لو توفر لدينا معلومات ثابتة عن حياته فإنه لا مانع بمعرفتها و
الإقرار بها كحياة سيدنا محمد"ص" مثلا 63سنة و عدد أبناءه"ص" ، و حياة
داود"ع"100سنة ..فهذه معلومات ثابتة لا خلاف بها .....أما الغير ثابت عمر
لوط و قبر سليمان و مقام الحُسين !! فلا داعي للبحث عنه لأنه غير معروف ،و
بما أنه غير معروف فقد أُختلف عليه ،و الآراء في هذا الشئ كلها مجرد ظنون
او اقتراحات و اعتقاد غير واثق ...فهل نصدق أو نهتم بأشياء تعتمد على
الظنون ؟؟ !!


و بناءا على ما قلناه سابقا ،فإن إدريس أكتشف لقومه و لمن سيأتي بعده من
أجيال ،أشياء تفيدهم كثيرا في حياتهم اليومية .....و لذلك نقرأ في الكتب
أنه أول من أكتشف الخياطة و تعلم كيف يخيط و علّم قومه ،و أول من يتعلم
الكتابة و بماذا يكتب و يعلم قومه ،و أول من أكتشف علم الحسابات و الأفلاك و
النجوم و أول من صنع الادوات و الآلات و أول من أستخدم الدواب أو الخيول
للهجرة بها و قيل للجهاد ...إلخ
و كلها تسمى أوليات إدريس .......و نسأل سؤال : لماذا لم نسمع عن أنبياء
كانوا بعد الأزمنة الأوليّة بأنهم فعلوا أوليات و لكن كان من حظ الأوليات
أن لم تكن إلا في بدايات الزمان أي بزمن إدريس و شيث ؟ ج: هو أنه كما قلنا
سابقا و فصّلنا ،هو أن الأولي دائما يكتشف الأشياء لتنفع كل من بعده ،و كان
الأولي الأبرز هو(إدريس)فكانت سنّته تفعلها الاجيال بعده و لا تستغنى عنها
أبدا كالخياطة مثلا و الكتابة ...فبدون الخياطة فمن أين سيكتسي الناس و من
غير الكتابة فمن أين كانت الحضارات القديمة سجلت أحداثها و كيف سنعرف
تاريخها بدون تدوينها بالقلم ؟ !


و أما عن خبر (القــلم) الذي كان إدريس أول من خط به ...

فإننا كما نعلم أنه إن جاء أحد الناس فأكتشف شيئا لم يكن مكتشفا قبل ذلك في
إحدى المجتمعات او الحضارات(و يكون ايضا غير مكتشف في غيره من الحضارات)
،فإن مجتمعه هذا يعمل بهذا الشئ المكتشف أو المخترع لأنهم رأوا ان هذا الشئ
مناسب لهم كما ذكرنا سابقا و شرحنا .....و بالمرة يؤدي ذلك الإكتشاف أو
الإختراع أو الفعل العظيم الإنجاز ، لشهرة الشخص الذي فعل ذلك و مشيعة الحب
له في كل مكان سُمِعَ عنه به ....و بالمرة دل هذا الأكتشاف او الإختراع
على عبقرية أو ذكاء و صلاح هذا الشخص ...

فلذلك : إدريس أول من خط بالقلم و لم يكن القلم معروفا قبله ،فتعلمه منه
قومه و كانت سنّة مستنة منه في سائر الشعوب بعد ذلك .....كما الحال مع
إبراهيم فإنه أول من ضاف الضيف و أظهر الكرم ...و كان ذلك غير معروف قبل
زمنه ،لكن بعدما فعل ذلك أستن قومه في أرض الجزيرة و العراق صفته هذه(الكرم
و الضيافة)عنه ،و كان أهالي تلك الأراضي محتفظين بهذه المكارم حتى الآن
،لذلك يشتهر أهل العراق حاليــا بالكرم كثيرا ،و كذلك أرض الجزيرة العربية
....فكان بذلك ملايين الملاين هنا و هناك يفعلون فعلا مُعيّـنا أستـنّـوه
عن شخص واحد (إبراهيم)

أي ان إبراهيم فعل الحسنة الخيّرة و علّمها غيره ،و غيره علموها غيرهم و
هكذا ..إلخ .....و في ذلك يقول (ص) : من سن سنّة حسنة في الإسلام فله بها
حسنة و بعدد من عملها من الناس .

فتخيل جزاء إبراهيم عليه الصلاة و السلام ،لمّا سن سنة حسنة(الكرم و
الضيافة) في مجتمعه ،فقد اخذ جزائها و جزاء كل من عملها غيره و بعده
...فمثلا تخيل أن من تعلمها منه و فعلها في زمانه 50 شخص ...ثم مات إبراهيم
ففعل ذلك أيضا غيرهم 300 شخص ،ثم جاء بعدهم ناس قد انتشروا اكثر في
الأماكن ،فكان1000 شخص يكرموا الناس و يضيفوهم في كل مكان هم فيه(لأنهم بعد
ذلك انتشروا بعلمهم بالضيافة) ...فماتوا و هكذا نفس التدريج
فتخيل ....من أيام إبراهيم من 3000سنة إلى الآن .....كم حسنة أخذها إبراهيم على فعله و بعدد من فعل مثله في كل زمان بعده ؟؟ !!!
ج : حسنات لا تعد و لا تحصى ....
لذلك قال الله تعالى عن إبراهيم (خير البرية) و (لقد كان لكم في إبراهيم أسوة حسنة) ..إلخ الآيات
و لا نريد الدخول في موضوع آخر غير إدريس الآن .
او مثل مثلا إسماعيل عليه السلام الذي كان يعيش في أرض الجزيرة ،و هو اول
من روض الخيل و اول من ركبها بعد أن كانت مستوحشة ،فكان إسماعيل أول من
أئتلفها و ائتلفها قومه من بعده ...و لذلك تجد أن الخيل يحتل مكانة مهمة
جدا بين أهل الجزيرة سالفا و حتى الآن ....لذلك يقول النبي (ص) : أركبوا
الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل .

تدبّر قوله : فإنها ميراث ....أي أن إسماعيل أول من ركب الخيل و توارث عنه أهل بلده هذه العادة إلى يومنا هذا في أرض الجزيرة .

فكذلك إدريس هو أول من خاط الثياب و خط بالقلم ....إلخ فتوارث قومه عنه هذه
العادة و الصفة ،و كل زمن يأتي تتعلم أجياله هذه الحِرَف و حتى اليوم ...

و هنالك شئ آخر ...و هو كما نعلم أن أول من خط بالقلم إدريس ....و كما نعلم
أنه ترتب على ذلك إقتداء كل قومه في زمانه به فخطّوا بالقلم بناءا على
القواعد التي ذكرناها سابقا ......و إدريس و قومه أو الناس الذين عايشوا
إدريس يعيشون جميعا في بلد معين و هما (العراق و مصر) كما في الأخبار
التاريخية أن إدريس كان بالعراق عائشا ثم اكمل باقي حياته بمصر ...إلخ
و من هنا نستنتج أنه بما أن إدريس اول من خط بالقلم و كان يعيش بمكان كذا و كذا ....



إذا فإن قومه أو حضارته التي يعيش فيها هي أول من خطت بالقلم و أول من
دوّنت أحداثها بالخط بالقلم على الصحف و الجدران و المعابد ...إلخ
و سبحان الله ....كما قالت تماما الأخبار التاريخية في الكتب الإسلامية
....جاءت الآثار مصداقا لها و قالت : إن أقدم حضارتين عاشتا على الأرض هما
الفرعونية(مصر) و السومرية(العراق) .

و لذلك لا تجد آثار أقدم من الآثار التي بالعراق و مصر .


فلولا إدريس عليه السلام ،لكانت هاتين الحضارتين لم تخط بالقلم على جدرانها و لكان الناس حتى الآن لم يعرفوا أنهما اقدم الحضارات !!!
لأنهم لم يتعلموا الكتابة إلا من مكتشفه الأول : إدريس ..و لولاه فمن اين سيعرفوا الخط بالقلم ؟
كما أنه لدي تسأؤل آخر : لماذا آثار أقدم حضارتين تختلفان عن بعضهما في الشكل ،لكن تأتــلــفان في المحتوى ؟
ج : أما عن الإختلاف في الطريقة و الشكل و اداة الكتابة ...فإننا كما سبق
قلنا ان إدريس كان يخط بالحجارة أو المسمار و كان يخط بعد ذلك أيضا بالقلم
بعدما طوّر أداة كتابته ...

فلذلك تجد آثار العراق(مكان إدريس الأول) آثاره محفورة بكتابات مسمارية أو نحتية حفرية
أما آثار مصر(مكان إدريس الثاني) آثارها مكتوبة بخطوط القلم المعروف
بألوانه و أشكال كتابته المتعددة على الجدران المصرية كما نراها اليوم في
نقوش الآثار المصرية من كتابات قد أُستخـدِم فيها الكتابة بالألوان السائلة
الـشبه الحبرية ،كما أن في مصر أيضا آثار بها نقوش نحتية بالحجارة كما
بالعراق .



و قد قال المسعودي :
ما بال هذه الكتابة التي على الاهرام و البرابي لا تقرأ ؟: دَثـَـرَ
العلماء و اهل العصر الذين كان هذا قلمهم و تداول ارض مصر الأمم –أي إختلاف
و تعدد الأمم و الحضارات على أرضها- فغلب على اهلها القلم الرومي و اشكال
الاحرف للروم و القبط تقرؤه على حسب تعارفها اياه و خلطها لاحرف الروم
باحرفها على حسب ما ولدوا من الكتابة بين الرومي و القبطي الاول فذهبت عنهم
كتابة ابائهم .
*****




و أما عن تشابه آثار مصر و العراق مع بعضهما في محتوى الكلام ...فإنه بنفس
السبب ،و هو أن إدريس كما قلنا : أول من نظر في علم النجوم و الحساب ،و كان
أولا بالعراق فأخذ قومه عنه هذه العلوم الحسابية و الفلكية ،ثم انتقل لمصر
بعد ذلك فتعلم المصريون من إدريس هذا العلم .....فكانت بذلك الحضارتين
فيهم شبه قريب جدا من بعضهما .


ثم إن إدريس لمّا أنبأه الله بحلول الطوفان في زمن سيأتي بعده ...خاف إدريس
على علومه و حكمه الفريدة ،ففكّر في ماذا يصنع ليحمي صناعاته و اقواله هذه
من الغرق و المحيان في الطوفان ؟
فطبعا لو أنه أعتمد على أصحابه الذين اتبعوا سنته و هديه ...فربما أقواله
أي نعم يحفظوها عنه بعد وفاته ...و لكن ربما بعد وفاة صحابته الكِرام ،أن
يغير أخلافهم كلام إدريس و يحرفوه عن كلمه فيكذبوا على سيدنا إدريس أقوال
لم يقلها ...

ففكّر ببناء مصنوعات عديدة من المباني الأهراميّة و التماثيلية و المعابد و
الأماكن التي تكون بعيدة عن الطوفان و تكون في مأمن من الغرق و المحو و
الإندثار و هي في أماكن الأهرام و البرابي ....فبناها و خط بيده على
جدرانها علومه و حكمه و اقواله لكي لا تندثر و تضيع ،كما كتب علومه و
أقواله على الورق و طرائق عـِدّة مختلفة ،و قال المسعودي :


ما بال هذه الكتابة التي على الاهرام و البرابي لا تقرأ ؟: دثر العلماء و
اهل العصر الذين كان هذا قلمهم و تداول ارض مصر الأمم –أي إختلاف و تعدد
الأمم و الحضارات على أرضها- ...و قد كان أول من خط بالقلم و أقام اول من
أقام الأمم الأولى على أرض مصر هو سيدنا إدريس عليه الصلاة و السلام .

...و أمر إدريس أصحابه بالتمسّك بسنته و هديه حتى اخر لحظة في الحياة ...و
اوصى ابنه متوشالخ ...ثم رفع للسماء كما قالت الأخبار و سنورد تلك الأخبار
لاحقا .

كان يقسم إدريس أيامه حسب الأسبوع : ثلاثة أيام يدعو قومه"أبناء قابيل" إلى
الله و نبذ الشرك و الاوثان ،و يدعو في نفس الوقت قومه المؤمنين صحابته
"بنو شيث" و كان عددهم ألف إنسان فقط و هُم الذين أطاعوا إدريس في دعوته و
صدقوه ...فكان إدريس يدعو بنو شيث ليثبتهم على الدين و يعلمهم شرائع الله و
فعلها .
و أربعة أيام يتعبد لله تعالى و يتقرب إليه بالطاعات و الأذكار و التسابيح
الكثيرة ...حتى أنه كان ليسبح الله في اليوم وحده بقدر ما يسبح جميع أهل
زمانه في نفس اليوم !!! فما بالك لو كان كذلك كل يوم !! لذلك فهو أعلاهم
منزلة ((و رفعناه مكانا عليّا)) .



قال الإمام أبي البركات النسفي:
((... و أذكر في الكتاب إدريس ...

هو أخنوخ أول مرسل بعد ءادم عليه السلام و أول من خط بالقلم و خاط اللباس و
نظر في علم النجوم و الحساب و اتخذ الموازين و المكاييل و الأسلحة فقاتل
بني قابيل .و قولهم(أنه)سمي بــ(إدريس)لكثرة دراسته كتب الله لا يصح . لأنه
لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد ،و هو العلميّة و كان
منصرفا ،فأمتناعه من الصرف دليل العجمة .
... إنه كان صدّيقا نبيّا ...

أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة .
... و رفعناه مكانا عليّا ...

هو شرف النبوة و الزلفى عند الله .و قيل معناه رفعته الملائكة إلى السماء
الرابعة . و قد رآه النبي"ص"ليلة المعراج فيها .و عن الحسن: إلى الجنة
،(لأنه)لا شئ أعلى من الجنة ...))




قال ابن إياس الحنفي في بدائع الزهور:
(( ...فكان(إدريس)يدعو(قومه)في الجمعة ثلاثة أيام
و كان ادريس عنده شدة و صلابة في امره و نهيه
و هو اول من خط بالقلم و اول من كتب الصحف و اول من نظر في علم النجوم و
الحساب و هو اول من خاط الثياب و لبس المخيط و كان اذا خاط يسبح الله عند
كل غرزة من الابرة فاذا غفل و خاط يفتق ما خاطهبغير تسبيح
و كان لا ياكل الا من كسب يده و كان يخيط للناس بالاجرة و هو اول من صنع المكيال
قيل قبل زمن ادريس كان الناس يلبسون الاردية بغير خياطة فلما صنع ادريس الخياطة و خاط استحسن الناس ذلك و لبسوا المخيط
ثم انزل الله على ادريس ثلاثين صحيفة فكان لا يفتر عن قرائتها ليلا و لا نهارا
و كانت الملائكة تاتي لمصافحة ادريس و كان يرفع كل يوم لادريس من العبادة
بقدر ما يرفع لغيره من كل الناس حتى تعجبت منه الملائكة و حسده إبليس
اللعين و لم ير له عليه سبيلا
...
قال وهب بن منبه: رفع ادريس الى السماء و هو ابن 365 سنة
...
و قيل لما رفع ادريس عليه السلام الى السماء تولى بعده ابنه متوشالخ فحكم
بين الناس بالحق. و لما توفي متوشالخ سلم التابوت و الصحف الى ابنه لامـك
... ))






قال المسعودي
:
((.... و هو الذي اخبر الله عز و جل في كتابه انه رفعه مكانا عليا ،و هو
أول من درز الدروز و خاط بالإبرة و انزل عليه ثلاثون صحيفة و كان قد نزل
قبل ذلك على ادم واحد و عشرون صحيفة و انزل على شيث تسعة و عشرون صحيفة
فيها تهليل و تسبيح )) .



و قال أيضا :
(( و قام(بالأمر) بعده (أبنه) متوشالخ بن أخنوخ(إدريس) ،فعمّر البلاد و النور في جبينه و ولد له اولاد
و ان البلغر و الروس و الصقالبة من(نسل)ولده
و كانت حياته تسعمائة و ستين سنة و مات في أيلول )) .





و قال الثعلبي
:
((.... قال أهل العلم بأخبار الماضين و قصص النبيين : هو ادريس بن برد و
قيل(ياريد)بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن ادم ،و اسمه اخنوخ
و سمي ادريس لكثرة درسه الكتب و صحف ادم و شيث ،و امه اشوت
و كان ادريس اول من خط بالقلم و اول من خاط الثياب و لبس المخيط و اول من نظر في علم النجوم و الحساب
بعثه الله الى ولد قابيل ثم رفعه الى السماء ....)) .





قال ابن الجوزي في المدهش ص292
:
((.. صعد إلى السمآء مِـنـا إدريس و عيسى و جال في مجالهم محمد ..))



و قال ايضا :
(( إن ادريس و عيسى ابن مريم حيان في السماء ،إدريس في السماء الرابعة تارة يعبد الله في السماء و تارة يتنعم في الجنة)) .



و لا مانع أن يتعبد النبي من الأنبياء في قبره أو في حال موته، و الذي يثبت
ذلك : حديث النبي"ص" لما رأى في إسرائه الشريف، سيدنا موسى"ع" في قبره
يصلي عند الكثيب الأحمر ...إلخ



و قال الإمام أبي الليث السمرقندي:

((.... إدريس النبي عليه السلام و كان نبيا مرسلا و اسمه أخنوخ
و إنما سمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتاب الله تعالى و سنن الإسلام ،و
هو أول من خط بالقلم و أول من خاط الثياب و لبسها يعني ثياب القطن
،و(الناس)كانوا من قبله يلبسون الجلود و الصوف
و أجاب له ألف إنسان مِمّن يدعوهم(إدريس إلى دين الإسلام) و هو جد أبي نوح و
رفع إلى السماء و هو ابن 365سنة ،كما قال الله تعالى"و رفعناه مكانا
عليا"س.مريم ،آية57 ، و أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة ثم(أرسل الله)بعده نوح
النبي عليه السلام ....)) .



و كما ذكر ابن أياس –كما قلنا سابقا- أن إدريس كان يسبح الله في يومه
بمفرده بعدد تسابيح كل أهل زمانه في اليوم الواحد..... بل و كان لا ينسى
الله تعالى حتى و هو يخيط الثياب في عمله-لأنه كان خياطا-بل و كان مع كل
غرزة إبرة يسبح الله بتسبيحة .....فإن كان و هو مشغول في عمله يسبح الله
بعدد تسابيح كل الناس في اليوم الواحد ....فما بالك لو كان غير مشغول و كان
متفرغا للتعبُّد فقط !! فماذا سيكون قدر تسابيحه !!




و هنا سؤال : ما هي تسابيح إدريس التي كان يقولها حتى يأخذ –مكانا عليّا- بهذه الرفعة و الدرجة العالية ؟



لقد كان يسبح الله بأفضل التسابيح (أفضل الكلام)و(أشد الأعمال) : (سبحان
الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر)و تارة كان يقول (سبحان
الله و بحمده سبحان الله العظيم و بحمده)




و كانت تلك الكلمات ..لو قالها الرجل مرة واحدة تكون(ثقيلتان في الميزان
حبيبتان إلى الرحمن) ...فما بالك لو كان الرجل يُكثر منها بكثر هائلا ليس
كمثلها كثرة ....فبأي قدر ستزن في الميزان !! و إلى أي درجة سيحبه الرحمن
حتى يرفعه أعلى الدرجات !!




ما بالك بفضل هذه التسابيح و هي (أفضل من الجهاد)!!؟؟ ما بالك بها و هي
(خير اعمالكم و ازكاها عند مليككم و ارفعها في درجاتكم و خير لكم من انفاق
الذهب و الورق و خير لكم من ان تلقوا عدوكم فتضربوا اعناقهم و يضربوا
اعناقكم) !! ؟؟ .




حتى أنه قد(مات و لسانه رطب بذكر الله)فـــ(ــنال بذلك أفضل الأعمال) و
نــ(ــال أفضل الثناء : و رفعناه مكانا عليا) و مَــ(ــن أحسن من الله
قيـلاً !! ؟) .


و قد وردت أحاديث كثيرة جدا في فضائل الذكر و التسبيح ،منها ما سنذكره ها هُنا و قد أقتبسنا منه في سابق كلامنا :




قال أبي الليث السمرقندي :
(( و حدثني الثقة بإسناده عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : جاء إسرافيل(ع) إلى النبي(ص) و قال له :



( قل يا محمد سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و لا
حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ،عدد ما علم الله تعالى و زِنَة ما
علم الله تعالى و ملئ ما علم الله تعالى ،فمن قالها مرة كتب الله له خمس
خصال:
_كتب من الذاكرين الله كثيرا



_
و كان أفضل من ذكره بالليل و النهار
_
و كان له غرسا في الجنة
_
و تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات ورق الشجر اليابس
_
و نظر الله اليه و من نظر الله اليه لم يعذبه) ))



_
و في رواية عن سمرة بن جندب عنه"ص" : (( أفضل الكلام أربع: سبحان الله و
الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ،لا يضرك بأيهن بدأت ))
_ و عن أبي زرعة عن أبي هريرة عنه"ص" : (( كلمتان خفيفتان على اللسان
ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله و بحمده سبحان الله
العظيم و بحمده )) .
_ و عن ابي الدرداء عنه"ص" : (( الا انبئكم بخير اعمالكم و ازكاها عند
مليككم و ارفعها في درجاتكم و خير لكم من انفاق الذهب و الورق و خير لكم من
ان تلقوا عدوكم فتضربوا اعناقهم و يضربوا اعناقكم؟ ذكر الله )) .
_ و عن ابي جعفر عنه"ص" : (( اشد الاعمال ثلاثة : ... منها: و ذكر الله تعالى )) .
_ و عن معاذ بن جبل : ما عمل ابن ادم عملا انجى له من عذاب الله تعالى من
ذكر الله ...فقالوا له: يا معاذ، و لا الجهاد في سبيل الله؟ فقال معاذ : و
لا الجهاد في سبيل الله ،لان الله تعالى يقول ((و لذكر الله اكبر)) س
العنكبوت45 .
_ و قال الحسن البصري: قيل للنبي"ص" يا رسول الله اي العمل افضل؟ فقال"ص" : أن تموت و لسانك رطب بذكر الله .






رفــعــه عليه الصلاة و السلام :


قال النسفي :
((... و(السبب في رفع إدريس)ذلك أنه حُـبــِبَ لكثرة عبادته الى الملائكة.
فقال(إدريس)لملك الموت : اذقني الموت يهن عليّ .ففعل ذلك باذن الله فحي.



و قال(إدريس لملك الموت) : ادخلني النار ازدد رهبة ..ففعل .



ثم قال(إدريس للملك أيضا) : ادخلني الجنة ازدد رغبة .



ثم قال(ملك الموت)له : اخرج ،فقال(إدريس) : قد ذقت الموت و وردت النار فما انا بخارج من الجنة .



فقال الله عز و جل : بإذني فعل و بإذني دخل ،فدعه(يا مَلَك الموت) ...)) .





و قال الثعلبي في قصص الأنبياء المسمى بعرائس المجالس :
((... قال وهب بن منبه: كان يرفع لــ(إدريس) كل يوم من العبادة مثل ما يرفع
لأهل الارض جميعهم في زمانه فتعجبت منه الملائكة و اشتاق اليه ملك الموت
فاستاذن(ملك الموت)الله في زيارة(إدريس)فأذن الله له
فاتى الملك الى ادريس في صورة بني آدمي ،و كان ادريس يصوم الدهر فلما كان
وقت افطاره دعاه الى طعاهم فأبى ان يأكل و فعل ذلك ثلاث ليال فانكره و قال
له في الليلة الثالثة: اني اريد ان اعلم من انت؟
فقال الملك: انا ملك الموت استاذنت ربي ان ازورك و اصاحبك فاذن لي في ذلك
فقال له ادريس: لي اليك حاجة
قال الملك : و ما هي؟
فاجاب ادريس: اقبض روحي
فاوحى الله تعالى الى هذا الملك(و هو نفسه ملك الموت)ان اقبض روح إدريس
فقبض الملك روح ادريس ثم ردها الله عليه بعد ساعة
فقال له ملك الموت: فما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟
فقال ادريس: لأذوق كرب الموت و غمه فاكون له اشد استعدادا ......ثم قال ادريس للملك: لي اليك حاجة اخرى .



قال الملك : و ما هي؟
قال ادريس: ترفعني الى السماء لانظر اليها و الى الجنة
فأذن له في ذلك
فلما قرب من النار ،قال : لي اليك حاجة
قال الملك : و ما تريد؟
فأجابه ادريس: أريدك أن تسأل لي مالكا(خازن النار)يفتح لي ابواب النار حتى اراها
ففعل ذلك ثم قال: فكما اريتني النار فارني الجنة
فذهب الملك بإدريس الى الجنة
فأسـتـفـتحها فـفـتحت له ابوابـهـا
فـدخلها ،فقال له ملك الموت : اخرج لتعود الى مقرك
فتعلق ادريس بشجرة و قال : لا اخرج منها
فبعث الله ملكا حكما بينهما
فقال له الملك : ما لك يا ادريس لا تخرج؟
فقال ادريس : لأن الله تعالى قال"كل نفس ذائقة الموت" و قد ذقته
و قال تعالى"و ان منكم الا واردها" و قد وردتها
و قال تعالى"و ما هم منها بمخرجين" فلست اخرج
فقال الله تعالى لملك الموت : دعه....فإنه بإذني دخل الجنة و بأمري لا يخرج
فإدريس حي هناك ،فتارة يعبد الله في السماء الرابعة و تارة يتنعم في الجنة
و الله أعلم)) .

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
نبي الله إدريس عليه الصلاة و السلام - بحث مفصل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى شباب جنوب الوادى  :: 
الأقسام العلمية
 :: 
التأريخ والعلوم التاريخية
-
انتقل الى: